منهم سليمان بن المرتضى ، جاء مع عبد اللّه بن مخامس [ 1 ] الوزير في أبّهة وشارة دلّت على المراد فيه ؛ فدخل من باب الوزراء الغربي والسرور باد عليه ، فاستقبله أصحابه وقدموه إلى بهو السّاباط ؛ فأجلس هنالك على مرتبة لا تصلح لأحد سواه [ 2 ] ، وهو بهج جذلان ، لا يشكّ في تمام الأمر له ، وأصحابه يرتقبون مجيء ابني عمّه المذكورين - وقد أبطأ - كيما يحصّلوهما عنده . فبينما نحن على ذلك ، والقلق على القوم باد ، إذ غشيتنا ضجّة وزعقة هائلة ارتجّ لها الجامع واضطرب لها من بالمقصورة . فإذا عبد الرحمن بن هشام قد وافى شرقيّ الجامع ، في [ 3 ] خلق عظيم من الجند والعامّة ، وقد تكنّفه أميرا الدائرة محمود وعمير في رجالهما ، شاهرين سيفيهما أمامه ، لهجين [ 4 ] باسمه ؛ فراع الوزراء / ذلك وألقوا للوقت بأيديهم وخذلتهم حيلهم ، ودخل المقصورة عبد الرحمن فبويع لوقته . واستدعي سليمان بن المرتضى وجيء به مبهوتا فقبّل يده وهنّأه ، فأجلسه إلى جنبه ، ثمّ وافى محمد بن العراقيّ أيضا فقبّل يده وبايعه ، ثمّ عقدت له البيعة ، وذلك اليوم الرابع من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة .
وكان أحمد بن برد قد تقدّم في عقدها باسم سليمان بن المرتضى فبشره وحكّ اسمه ، وكتب اسم عبد الرحمن مكانه فكان ذلك من عجائب الدّنيا .
ثمّ ركب وحمل مع نفسه ابني عمّه سليمان وابن العراقيّ فاحتبسهما عنده وآنسهما ؛ وظهرت من عبد الرحمن لوقته عرامة [ 5 ] ، وكان فتى أيّ فتى لو أخطأته المتالف . وكان استقلّ بما طلبه من السلطان جرأة وصرامة ، وركب أعناق الخطوب وقد اعتاصت فأردته .
وكان رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا مواليه بني مروان ، منهم أحمد بن برد وجماعة من الأغمار ، كانوا عصابة يحلّ بها الفتاء ، ويذهب بها العجب ، قدّمهم على سائر رجاله ، فأحقد بهم أهل السّياسة ، فانقضت دولته سريعا ؛ منهم أبو عامر ابن شهيد فتى الطوائف ، كان بقرطبة في رقّته وبراعته وظرفه [ 6 ] خليعها المنهمك [ 7 ] في بطالته ، وأعجب الناس
هامش
[ 1 ] كذا يرد في النسخ بالخاء المعجمة « مخامس » ، وفي الجذوة ( ص : 288 ) من اسمه عثمان بن محامس ، بالحاء المهملة .
[ 2 ] ط : لا تصلح بسواء .
[ 3 ] ط : شرقي . . . في : سقط من ط .
[ 4 ] س ب : هاتفين .
[ 5 ] ط : صرامة .
[ 6 ] ط : وبراعة ظرفه .
[ 7 ] ط : المنهتك .