التجسّس عليها انهماكه في لذّاته ، ومقارفته لمدامه ، إلى أن انتهت مدتها . فثارت الجماعة بعد مسير ابن ذي النون عنه بسبعة أيام سواء ، وكان من خلعه وزوال أمره ما نذكره بعد هذا إن أعاننا اللّه .
قال ابن بسّام : فصحّ عندي أنه وصف كيفية خلعهم وإخراجهم من قرطبة في جزء كبير سمّاه « البطشة الكبرى » في مجلّد كبير لم يقع إليّ وقت هذا التحرير .
فصل [ 1 ] في ذكر الفقيه القاضي أبي الوليد المعروف بابن الفرضي [ 2 ]
: شاعر مقلّ ، هو في العلماء أدخل منه في الشعراء ، ولكنّه حسن النّظام ، مقترن الكلام ، رحل ورحل إليه ، وأخذ وأخذ عنه .
أخبرني الفقيه أبو بكر ابن الفقيه الوزير أبي محمد ابن العربي عن الفقيه أبي عبد اللّه الحميدي قال : حدّثني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم / قال : أخبرني القاضي أبو الوليد ابن الفرضي قال [ 3 ] : تعلّقت بأستار الكعبة وسألت اللّه الشّهادة ، ثمّ انحرفت وفكّرت في هول القتل [ 4 ] فندمت ، وهممت أن أرجع فأستقيل اللّه ذلك فاستحييت .
فمات مقتولا رحمه اللّه في الفتنة أيام دخول البرابرة قرطبة سنة أربعمائة . قال أبو محمد ابن حزم : أخبرني من رآه بين القتلى يومئذ وهو في آخر رمق يقول : « لا يكلم أحد في سبيل اللّه - واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله - إلّا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما ، اللّون لون الدّم والرّيح ريح المسك » . كأنّه يعيد على نفسه الحديث الوارد في ذلك ، ثمّ قضى نحبه هنالك . وهذا الحديث في الصّحيح ، أخرجه مسلم بن الحجّاج مسندا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم [ 5 ] .
هامش
[ 1 ] لم يرد هذا الفصل إلا في ب م .
[ 2 ] أبو الوليد عبد اللّه بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي الحافظ المعروف بابن الفرضي : هو صاحب تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس الذي ذيل عليه ابن بشكوال بكتاب الصلة . وله من المؤلفات أيضا أخبار شعراء الأندلس ، وكتاب في المؤتلف والمختلف ، وكان فقيها عالما في جميع فنون الحديث ، قتل في الفتنة لست خلون من شوال سنة 403 ( انظر الصلة : 246 - 250 ، والجذوة : 237 ( والبغية رقم : 888 ) ، والمغرب 1 : 103 ، والمطمح : 57 ، والمطرب : 132 ، ووفيات الأعيان 3 : 105 ، والديباج المذهب : 143 ، وتذكرة الحفاظ : 1076 ، والشذرات 3 : 168 ، والنفح 2 : 129 ) .
[ 3 ] الجذوة : 238 .
[ 4 ] ب م : في هذا القيل ، والتصويب عن الجذوة .
[ 5 ] صحيح مسلم : 2 : 96 ، باختلاف يسير .