حرمة ، ولا رعي فيه إلّ ولا ذمّة .
بلغني أنه لما وسط به قنطرة [ 1 ] قرطبة خارجا منها على مركب هجين ، وحاله تقرّ عيون الحاسدين ، رفع يديه إلى السماء ، وأخذ يبتهل في الدعاء ، وكان مما حفظ عنه قوله : اللّهمّ كما أجبت الدعاء علينا فأجبه لنا ؛ فمات بعد أربعين يوما من نكبته بجزيرة شلطيش مزال النعمة ، [ مذال الحرمة ] ، فتعالى المنفرد بالبقاء ، جبار الأرض والسماء ، وأقرّت ساقته بها ، فأقاموا هنالك أكثر أيام المعتمد ، يأخذهم الحدثان ويدعهم [ 2 ] ، ويخفضهم الزمان أكثر مما يرفعهم .
فصل له في ذكر رحيل ابن ذي النون عن قرطبة يقول فيه [ 3 ] :
لما نزل ابن ذي النّون بسبيله ، فكشف اللّه همّه عن أهل قرطبة ، أبدوا الشّمات به ، وقضوا بالإدبار عليه ، وتنقّصوا حجاه ، واستفالوا رأيه ، وأضافوا سموّ محلّه إلى حظوة جدّه ، من غير استعانة منه بغريزة لبّ ، أو مادّة معرفة ، أو اكتساب تجربة ، إذ جمع الجيش ذا الألوف المختلفة الألسنة ، النّاهك الكلفة ، فجرّه على بعد الشّقّة إلى قرن غفل غبيّ ، / منخلع من صالح الخصال ، متردّ في هوّة السفال ، لا يتحرّز منه [ 4 ] في حال من الأحوال ، راكب للغيّ ، مستميت على الإمارة ، مطّرح للنظر في العاقبة ، شتيت الشّمل ، قليل الوفر ، نزر العدد ، ( من ) حالّ البلد ( و ) حاضر أهله [ 5 ] ، إلى من فارقوا من جاليهم ، قد وقذه ورجاله ورعيّته طول ما صحبوا الغلاء وحالفوا المجاعة ، يكاد يأسه يستولي على طمعه فيدفعه بالتّوطي عن الكريهة ، والتّحكيم على متقلّد خطّة البغي في سوء العاقبة ، قد مثل منتصبا لخطّته ، لابسا فؤاد القاسي فوق درعه ، يكاثر بحور الحصى من فرط جهله ، قد جمع محاشه عند شمرته لحربه ، فما إن تتامّت عدّتهم مائتي فارس ، أكثرهم مسوقون [ 6 ] حاقدون معوّقون [ 7 ] مستقصرون ، يشتري لهم القوت من السوق ، مضيّقا على رعيته ، ويزدلف بهم في غد أيامهم ، ويعدهم ثواب عاجل الطّعن نسيئة على مستأخر
هامش
[ 1 ] ب م : توسط قنطرة .
[ 2 ] ب م : ويضعهم .
[ 3 ] لم يرد هذا الفصل في ط .
[ 4 ] ب م : لا يتحرا ( ى ) منه .
[ 5 ] قبل « حال » بياض بمقدار كلمة في ب ، وفي ب م : حاصر أهله .
[ 6 ] لعل الصواب : « مسوفون » .
[ 7 ] معوقون : شبههم بالمنافقين الذين كانوا يعوقون الناس عن الخروج .