تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
النّصر ؛ قد علم ذلك من اختلال أحواله عدوّه المتظاهرة قواه وعدده ، فنزل بساحته نزول النّظير له ، المتكافئ العدّة ، متسنّما هضاب جبل البلد المسامتة لباب المدينة الجوفي ، مهتضبا وأحبشه اللّهام ، بإنزاله إياهم ساترات تلك الأهضام ، كالمتقدّم بالاستظهار على مرهوب بيات الليل ومغافصة النهار ، قد اقتصر من اللّصوق بأهل البلد والموالاة لقتالهم على قفص [ 1 ] يده لزروعهم ؛ أطال بذلك حصار قرطبة ، وأعداؤه يعجبون من طول كنفه لها ، ويرونه لا محالة محروم المصال ، مع ما يزجى من كتائب لو قادها / غشوم مسلّط يوفيها حقّ إقدامها على من قادها إليه ، لما قاومه نظير من أملاك أفقه ، إذ يقود عدّة دارعين ما بين أجناده وأمداده ، ذوي ألسنة شتى ، وبطارق أعزّة تعرب عنهم التراجمة ؛ لكنّه سلطان اللّه يؤتيه من يشاء ، وينزعه ممّن يشاء . وما أحسن ما تمثّل به معاوية عندما أفاده جدّه بحظوة الخلافة دون عليّ رضي اللّه عنه الذي نازعه إياها ، على بون ما بينهما ، إذ قال وقد جرى ذكر علي رضي اللّه عنه وخيبة سعيه :
لئن كان أدلى خاطبا فتعذّرت * عليه وكانت رائدا فتخطّت فما تركته رغبة عن جنابه * ولكنها ( كانت ) لآخر خطّت
فليت شعري ما الذي يقوله مهنّئ ابن ذي النون بقفوله إلى حضرته ، ويصوغه ممتدحه في تمجيده ، مع ضيق تولّجهما عن معذرة ينحلانها له ، واعتياص احتيالهما في تخليصه من قبيح ما ركبه ؟ إنّ وجوه التّكذّب لتخجل دون مقابلته ، واللّه تعالى شهيد عليه ، كفيل بجزائه . فلمّا تولّى ابن ذي النون وقفل لطيّته ، أصبح فؤاد سلطان قرطبة الرابض إلى جنبه فارغا من همّه ، مسترجحا لرأيه ، حامدا لجدّه ، واثقا بدوام ملكه ، يرى أن قد فاز بحظّه ، بإيقاد نار الفتنة بين ابن ذي النون وابن عبّاد قرنه ، وأنّه مخيّر في التشبّث بها ، والانفصال عنها ، متى شاء وكيف ارتأى . فاشتدّ جذله ، واسترخى لببه ، وارتاح إلى منصرف من عنده من رجل ابن عبّاد الثقال عليه ، كيما يخلو بشأنه . فجعل يدسّ إليهم من يعرّض ، ويقطع تعهّدهم ، وهم يرونه الحرص على الانطلاق عنه ، والاستبطاء لإذن أميرهم لهم وقد كاتبوه ، ويأخذون في التأهّب لمسيرهم ، ويعدون من ذهب إلى السفر معهم بوشك رحيلهم ، وسرى القين أولى بهم . وقد سرى بين قوّادهم وكبار من جاورهم من أهل البلد / من التّدبير معهم ، في أخذهم لسلطانهم البيعة التي تريهم أمورا غابت عنه ، أذهله عن
هامش
[ 1 ] القفص : الجمع ؛ وفي النسخ : قبض .