تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
ويلحفهم ظلّي تواضعه وعدله . وقد خامر نفس يحيى بن ذي النون من الشّغف بقرطبة ما هوّن عليه إنفاق المال ، واحتمال الأثقال ، وتكلّف الحلّ والتّرحال ؛ فهي مضمار خيله ، ومدرج سيله ، وحديث نفسه ، وهمّ يومه وأمسه . وخلت السّنون ، وغالت عبّادا المنون ؛ وصار الأمر إلى ابنه المعتمد سنة إحدى وستّين [ حسبما يذكر في القسم الثاني من هذا / المجموع ، إن شاء اللّه ] . فلما كان سنة اثنتين بعدها ، دلف ابن ذي النون إلى قرطبة ، وكان لا يغبّها شرّه ، ولا ينام عنها مكره ؛ وقد احتاج عبد الملك بن جهور إلى استمداد من المعتمد لانفضاض من لديه ، وعجزه عمّا كان أسند من تدبير [ 1 ] قرطبة إليه ، فأمدّه المعتمد بجمهور أجناده ، على أكابر قوّاده ، وقد تقدّم إليهم بمراده ، ونهج إليهم [ 2 ] سبيل إصداره وإيراده ؛ فوافوا قرطبة ، ونزلوا بربضها الشرقي [ 3 ] ، وأقاموا بها أياما يحمون حماها ، وأعينهم تزدحم عليه ، ويذبّون عن جناها ، وأفواههم تتحلّب إليه . فلمّا سئم ابن ذي النون سفره واجتواه ، وقضى من غزو قرطبة وطره وما قضاه ، أخذ في الرحيل عنها ، فما انقشعت سدفة ليله ، ولا تمزّق غبار سنابك خيله ، حتى هتك العبّاديون الحريم ، وركبوا الأمر العظيم ؛ باتوا متحدثين بالقفول ، ثم غلّسوا مظهرين للرحيل ؛ وعبد الملك متأهّب لتشييعهم ، عازم على البكور إلى توديعهم ، وشكرهم على [ 4 ] حسن صنيعهم ؛ فلم يرعه إلّا إحداقهم بقصره ، وارتفاع أصواتهم بالبراءة من أمره ، وإصمات الأفواه عن ذكره ؛ وقد تمخّضت له ليلته بيوم [ 5 ] عقيم ، وافترّ له ناجذ صبحها عن ليل بهيم ، ومشى من أنصاره هنالك بين أسد شتيم ، وأسود مسموم :
ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه * تصيّده الضّرغام في من تصيّدا [ 6 ]
/ وقبض للحين عليه وعلى إخوته ، وسائر أهل بيته وأسرته . وبالغوا لوقتهم في انتهاك حرمه ، وإزالة نعمه ، وإخفار ذممه . وأخرج الشيخ اليفن أبو الوليد - بقية أشراف الأندلس كان في وقته - مفلوج الشّدق ، مائل الشّقّ ، مغلوب الباطل والحقّ ؛ لم تحفظ له
هامش
[ 1 ] ب م : أمر . [ 2 ] ط : لهم . [ 3 ] ب م : بربض الجانب الشرقي منها . [ 4 ] ب م : عن . [ 5 ] البيان : عن يوم . [ 6 ] البيت للمتنبي ، ديوانه : 360 .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 467 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس