قال ابن بسّام : إلى هذا الموضع انتهى ما وجدته [ 1 ] من أخبار الدولة الجمهوريّة من كتاب [ 2 ] ابن حيّان وقت تجرّدي للفراغ من تتميم [ 3 ] هذا الديوان ، واستعجلت لإخراج هذه النّسخة المقرّرة منه ، وأعياني تتبّعه لآثارهم ، وشرد عليّ وجود لفظه ونظمه [ 4 ] لبقيّة أخبارهم ، ولم أجد بدّا من نظامها ، لتجيء أخبارهم بتمامها [ 5 ] ؛ فرقعت الضحى بالغلس ، وجمعت بين حافر العير وجبهه الفرس ، على تفاهة علمي ، وغبّ نوب أنستني اسمي ، وجرت مجرى الروح في جسمي .
كان عبّاد [ 6 ] قد خامر صدره من شأن ابن السقّاء مدبّر دولة بني جهور ما لا يسعه بوح ولا كتم ، ولا يردعه سفه ولا حلم ، شرقا بحسن سيرته ، / وفرقا من استمرار مريرته ، وحسدا لآل جهور في من حسم عنهم الأطماع ، وجمع دولتهم الشّعاع . فقد كان ابن السقاء هذا من الاستقلال بمكانه ، والضّبط لسلطانه ، والاستيلاء على ميدانه ، بحيث يخيف الأنداد ، ويغيظ الأعداء والحساد . فدسّ عبّاد إلى عبد الملك بن جهور من جسّره على الفتك ، وإلى ابن السقّاء من ألقى في روعه حبّ الملك ، وكلاهما راش وبرى ، حتى جرى القدر بينهما بما جرى . وسيأتي الخبر عنهما مشروح الأسباب ، في القسم الرابع من هذا الكتاب .
وخلا لعبد الملك الجوّ بعد ابن السقاء ؛ فأعرض وأطال ، وطلب الطّعن وحده والنّزال [ 7 ] : فأعجبه شأنه وازدهاه ، وأمره شيطانه ونهاه ؛ ووجد عبّاد السبيل إلى شيء طالما كان شرّد كراه ، ونغّص عليه كثيرا من لذّة دنياه : من افتقار بني جهور إلى نصره ، وتصرّفهم بين نهيه وأمره . وانقبض عن عبد الملك لأوّل استبداده بالأمر حماته الذين كان ابن السّقاء يرفعهم برفعه [ 8 ] ، ويصطنعهم بحذقه [ 9 ] ، ويوردهم ماء سماحته وبذله ،
هامش
[ 1 ] ب م : ما لخصته .
[ 2 ] ب م : من كلام .
[ 3 ] ب م : من إملاء .
[ 4 ] ب م : وشرد علي نظامه .
[ 5 ] ب م : ليجيء خبرهم بتمامه .
[ 6 ] قارن بالبيان المغرب 3 : 256 .
[ 7 ] من قول المتنبي :وإذا ما خلا الجبان بأرض * طلب الطعن وحده والنزالا[ 8 ] البيان : يرفههم برفقه ؛ وهو أصواب .
[ 9 ] ط : بخرقه .