تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
قال ابن حيّان [ 1 ] : وفي سنة ستّ وخمسين وأربعمائة كثر خوض أهل / قرطبة في الذي رأوه من تنافس ولدي أبي الوليد محمد بن جهور في الانتصاب [ 2 ] لخلافته : عبد الرّحمن كبير جماعتهم ، وأخيه عبد الملك أشهمهم فؤادا وأصلبهم عودا ، الذي كشف عن وجوههم غمّة مركسهم ابن السّقاء ، كافر نعمتهم ، فاستدرك لهم ما كان تولّى من سلطانهم ، لفتكته به التي أثبتت أوتاد ملكهم ، ثمّ شدّ يده بطلب حقّه من ذلك ، ونازع أخاه كبيره عبد الرّحمن ما ذهب إليه من التفرّد به ؛ وقد كان أشار على أبيهما بعض حلفائه [ 3 ] من رؤساء الأندلس بإيثار عبد الرّحمن منهما ، فتمسّك الشّيخ بحظّه من إرضاء ولده الصغير عبد الملك ، فمال إلى قسمة الرئاسة بينهما حياته ، غير ناصب لأحدهما للأمر ، يقضي اللّه به لمن يشاء بعده ، صنيع والده فيه ؛ فمتّع نفسه بهواها في صغير ولده ، وأنشد قول ابن الجزيري [ 4 ] :
وإذا الفتى فقد الشّباب سما له * حبّ البنين ولا كحبّ الأصغر
فأرتع ولديه هذين في دنياه ، وبسط أيديهما في سلطانه ، فطفقا [ 5 ] يستميل كلّ منهما طائفة من الجنة ، ويصطنع من الرعيّة فرقة ، ويفتلذ من عقيدة الملك فلذة ، فأصبح الأمر مختلطا ، والأرباب متفرّقين ، والمخاوف تطلع من كل ثنيّة ، والهوادي تؤذن بالإعجاز ، واللّه كلّ يوم في شأن . ثم خاف عليهما ، فجعل إلى أكبرهما عبد الرّحمن النّظر في أمر الجباية ، والإشراف على أهل الخدمة ومشاهدتهم في مكان مجتمعهم ، والتوقيع في / الصّكوك السلطانية المتضمّنة للحلّ والعقد ، والاطّراح والضّمّ ، وجميع أبواب النفقات . ألجأ كلّ ذلك إلى ختمه [ 6 ] ، وأمضاه تحت حكمه . وجعل إلى عبد الملك النّظر في الجند ، والتولّي لعرضهم ، والإشراف على أعطيتهم ، والركوب فيهم لدى الرّوع ، وتجريدهم في البعوث ، والتقوية لأودهم ، وجميع ما يخصّهم ؛ فرضيا منه بهذا التقسيم ، وأقامهما به على الصّراط المستقيم .
هامش
[ 1 ] قارن بالبيان المغرب 3 : 255 . [ 2 ] ب م والبيان : الانتصاف . [ 3 ] في النسخ : خلفائه . [ 4 ] يعني عبد الملك بن إدريس الجزيري ، والبيت من قصيدة له في الآداب والسنة ، كتب بها إلى بنيه ( الجذوة : 262 ، واعتاب الكتاب : 194 ) . [ 5 ] ط : فطفق . [ 6 ] ط : خطه . الذخيرة مجلد 1 30