في ديوان السلطان المطابق لصناعتي ، اللّائق بتحرّفي ، براتب واسع ، لولا ما أخذ عليّ كتم ما أسداه لجهدت في وصفه ، وإلى اللّه تعالى أفزع في إجمال المكافأة عني برحمته .
ثمّ اقتفى أبو الوليد آثار أبيه أبي الحزم في السياسة من درء [ 1 ] الحدود ما وجد إلى ذلك سبيلا ، والتّأوّل في تعطيل الإقادة بالحديد البتّة ، لعدم الإمام المجتمع عليه في الوقت ، والتربّص لإدبار الفتنة ؛ فأصبح من العجب [ 2 ] العجاب تكافّ النّاس في الأعمّ عن [ 3 ] التّظالم والتّسافك ، بخلاف ما كانوا عليه تحت الضّبط الشديد ، وتجاوز الحدود ، بأيدي جبابرة أصحاب الشرطة أيّام الجماعة ، فلا يكاد يسمع لشرارهم من معهود ذلك إلّا النادرة الفذّة ، وبرّز أيضا أبو الوليد في فكّ العقل السلطانيّة ، وأنفذ الحكم / في المظالم الديوانيّة ، وعقار الغيّب عن قرطبة التي أجلتها الفتنة الغماء ، أشياء عظيمة القدر توقّف والده عنها ، فأطلقها وردّها على أربابها ، وشمل العالم الدّعة .
وأمّا عترة الأشراف الأموية ، فتقلّب بهم الزمان ، وغيّر أحوالهم الحدثان . وكان بقرطبة منهم طائفة غامضة الشّخوص ، باذة الهيئة ، عارمة الأدب والمروءة ، متطبّعة بأخلاق العوام الغفل [ 4 ] ، أكثرهم من ولّد النّاصر ، معصوصبين بيعيسيب لهم من أبناء أمرائهم في الفتنة يدعى ابن المرتضى ، أبوه كان صاحب البيعة بالثّغر يومى إليه بالأصابع ؛ فخالطه من ذلك على سكر الشّباب وخيلاء الشرب والأفن والغباوة عجب وغطرسة ، عقد ناصيته بالثّريّا ، فأصبح من طماح همّته في جهد [ 5 ] ، يراقب الناس منه فتنة عمياء [ 6 ] ، ويمشي في الناس مختالا ، أصعر الخدّ ، أشوس اللّحظ ، جميل الرّواء والشّارة ، عالي القلنسوة [ 7 ] ، تلحظه العيون ، وكان له بقايا من شيع المروانيّة ؛ فبلغ ابن جهور عنه ما بعثه على إزعاجه من قرطبة [ 8 ] ، فاستقرّ بشرقيّ الأندلس حيث اضطرب أبوه المرتضى ، فبطل الإرجاف بعده .
هامش
[ 1 ] ب م : السياسة في درء .
[ 2 ] ب م : في العجب .
[ 3 ] ط : من .
[ 4 ] ط : قد تطبعوا بأخلاق العوام .
[ 5 ] ب م : في بلية .
[ 6 ] ط : عجباء .
[ 7 ] ب م : القلنساة .
[ 8 ] ب م : إخراجه من البلد .