المتوزّعين أسلابها ، بخفض الجناح والرّفق في المعاملة ، حتى حصل على سلمهم ، واستدرار مرافق بلادهم . ودرأ القاسطين عليه من ملوك الفتنة ، حتى حفظوا حضرته وأوجبوا لها حرمة ، بمكابدته [ 1 ] الشدائد حتى ألانها بضروب احتياله ؛ فرخت الأسعار ، وصاح الرّخاء بالناس أن هلمّوا ، فلبّوه من كل صقع ، فظهر تزيّد [ 2 ] النّاس بقرطبة من أوّل تدبيره لها حتى ملئوا المساجد والأفنية [ 3 ] ، وسمت أثمان الدور بها ، والابتناء لخرابها الفاشي ، أخذا بالهوينا ، فاتصل البنيان بها ، وغلت الدّور ، وحرّكوا الأسواق ، فعجب [ 4 ] ذو التّحصيل [ 5 ] للّذي أوى إليه [ 6 ] في صلاح أحوال الناس من القوّة ولما تعتدل [ 7 ] حال ، أو يهلك عدوّ ، أو تقو جباية ، وأمر اللّه تعالى بين الكاف والنون .
وتوفّي أبو الحزم ليلة الجمعة السادس من محرّم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ، فصار الأمر إلى ابنه أبي [ 8 ] الوليد محمد بن جهور بن محمد بن جهور بن عبيد اللّه السّر من آل عبدة ، نهاية بيوت الشّرف الأثيل بقرطبة ، على أسّ الدهر المغرب شأوه في نظم قلادة خمسة ككعوب الرمح أنبوبا / على أنبوب ، هم ما هم ، تناقلوا الوزارة والكتابة ما بينه وبين خامسهم عبيد اللّه ذي المنقبة الزائدة ، خوّلهم اللّه الرئاسة على تعاقب الأزمان واختلاف الأعصار ، ولم تنقلها الفتنة إلى أن ورثها تربها هذا الوالي الفاضل أبو الوليد ، ولمّا يعرف البؤس يوما ، فأعانه ذلك على الحسب والمروءة ، وأقرّ أبو الوليد لأول ولايته [ 9 ] الحكام ، وأولي المراتب على حسب ما كانوا عليه أيام أبيه .
قال ابن حيان : وكنت ممن جادته سماء الرئيس الفاضل أبي الوليد الثرّة ، وكرم فيّ فعله ابتداء من غير مسألة ، فأقحمني في زمرة العصابة المبرّزة الخصل ، مع كلال الحدّ وضعف الآلة ؛ واهتدى لمكان خلّتي وقد ارتشف الدهر بلالتي ، بأن قلدني [ إملاء ] الذّكر
هامش
[ 1 ] ط ب م : مكابدته ؛ البيان : بمكابدة .
[ 2 ] ب م : تزايد .
[ 3 ] بعدها في م ب : وحركوا الأسواق ؛ وسترد بعد قليل .
[ 4 ] البيان والحلة : وتعجب .
[ 5 ] ط : الناس للتحصيل .
[ 6 ] البيان : أرأى اللّه ؛ الحلة : أرى اللّه .
[ 7 ] ب م : تعدل .
[ 8 ] ط : وولي ابنه أبو ؛ وقارن بالبيان المغرب 3 : 234 .
[ 9 ] ط : وأقر لوقته .