تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
عليها [ 1 ] ، فاخترع لهم لأوّل وقته نوعا من التّدبير حملهم عليه ، فاقترن صلاحهم به ، واقتصر من الجند على أعيانهم ، وسدّ باب البرابر جملة إلّا من قد صار في البلد من بني يفرن الموثوق بهم ، وأقصى من سواهم من فرق البرابرة من غير إيحاش ، فنال منهم الرضى ، وملكهم عما قليل ، وأصبح في ذلك عجبا . / وأجاد السياسة ، فانسدل به السّتر على أهل قرطبة مدّته ، وحصّل كل ما يرتفع من البلد في جميع أوقاته ، بعد إعطاء مقاتلته فارسهم وراجلهم ، وصيّر ذلك بأيدي ثقات من أهل الخدمة ، مشارفا لهم بضبطه ، فإن فضل شيء تركه بأيديهم مثقّفا مشهودا عليه إلى أن يعنّ وجه تصرّفه فيه [ 2 ] ، لا يلتبس بشيء منه ولا يدخل داره ، ومتى سئل قال : « ليس لي عطاء ولا منع ، هو للجماعة وأنا أمينهم » ؛ وإذا رابه أمر [ 3 ] أو عزم على تدبير ، أحضرهم وشاورهم فيسرعون إليه ، فإذا علموا مراده فوّضوا إليه بأمرهم ؛ وإذا خوطب بكتاب لا ينظر فيه إلّا أن يكون باسم الوزراء . فأعطى السلطان قسطه [ 4 ] من النظر ، ولم يخل مع ذلك من النظر لنفسه وترقيحه لمعيشته ، حتى تضاعف ثراؤه وصار لا تقع عينه على أغنى منه ، حاط ذلك كلّه بالبخل الشديد والمنع الخالص ، اللذين لولاهما ما وجد عائبه فيه طعنا ، ولكمل لو أن بشرا يكمل . وكان مع براعته ، ورفعة قدره ، وتشييده لقديمه بحديثه ، من أشدّ الناس تواضعا وعفّة وصلاحا ، وأنقاهم ثوبا ، وأشبههم ظاهرا بباطن ، وأولا بآخر ، لم يختلف به حال من الفتاء إلى الكهولة ، ولم يعثر له قط على حال يدل على ريبة ؛ جليس كتاب منذ درج ، ونجيّ نظر منذ فهم ، مشاهدا للجماعة في مسجده ، خليفة الأئمة متى تخلفوا عنه ، حافظا لكتاب اللّه قائما به في سره وجهره ، متقنا للتلاوة ، متواضعا في رفعته ، مشاركا لأهل بلده ، يزور مرضاهم ويشاهد جنائزهم . ( وفي فصل : ) واستمرّ ابن جهور في تدبير قرطبة ، فأنجح سعيه بصلاحها ، ولم شعثها / في المدة القريبة وأثمر الثمرة الزكية ، ودبّ دبيب الشفاء في السقام ، فنعش منها الرّفات ، وألحفها رداء الأمن [ 5 ] ، ومانع عنها من كان يطلبها من أمراء البرابرة المتكنّفين لها ،
هامش
[ 1 ] الحلة : من الجماعة داهيتها . [ 2 ] ط : وجه تصرفه . [ 3 ] الحلة : أمر عظيم . [ 4 ] الحلة : حقه . [ 5 ] ب م : الطمأنينة .