فصل :
وانكدر بأثر وفاته [ 1 ] ابن باشة [ 2 ] المعروف بالأصغر ، هدّام القصور ، ومبوّر المعمور ؛ وكان من التبحبح في اللؤم ، والالتحاف للشؤم ، مع دناءة الأصل والفرع ، وتنكّب السّداد ، وتقيّل الفساد ، على ثبج عظيم . بيده بادت قصور بني أمية الرفيعة ، ودرست آثارهم البديعة ، وحطّت أعلامهم المنيعة . وصار من البديع أن قدّمه ابن السقّاء مدبّر قرطبة وقت النظر في جميع آلات [ 3 ] ما تهدّم من القصور المعطّلة ؛ فاغتدى عليها أعظم آفة ، يبيع أشياء جليلة القدر ، رفيعة القيمة ، في [ 4 ] طريق الأمانة ، ولم يك مأمونا على باقة بقل [ 5 ] ؛ فعاث فيها عياث النار في يبيس العرفج ، وباع آلاتها من رفيع المرمر ، ومثمّن العمد ، ونضار الخشب ، وخالص النحاس ، وصافي الحديد والرصاص ، بيع الإدبار . ولم يزل [ 6 ] ينفق ما غلّ بمرأى ومسمع في أبواب الباطل ، حملت عنه في التبذير نوادر تشهد بأن الدار ليست بدار مثوبة ولا جزاء . وكانت رسل أملاك الأندلس تأتيه كثيرا في ابتغاء ما لديه من تلك الآلات بالأثمان النفيسة [ 7 ] ، فيبذلها هو في أنواع الضلالات إلى أن استنفدها على طول المدة ، ثم فقر آخر مدته ، واختل واعتلّ ، ووافته منيته / وقد اغتى مثلا لمن عرفه وسمع به . وأغيظ من ذلك لأولي الألباب تسليطه [ 8 ] على هدم قصور بني أمية المبتناة على أساس العلا ، المسخّر فيها أصناف الورى ، المكتملة الاستواء في حقب من السّنين تترى ، حتى اغتدت بجزيرة الأندلس كإرم ذات العماد لا يخشى على أركانها انهدام ، فلمّا أذن تعالى بحطّ أعلامها ، وطمس آثارها ، أتاح لها هذا الأنيسيان الضعيف القوي ، القصير المدى ، كإتاحة الجرذ المهين لسدّ مأرب ذي الأنباء البديعة ، فدكدكها حتّى عادت كوم رماد ومصايد ضباب ، ولم يقلع عنها حتى أوقع النار على صخورها [ 9 ] ، وصيّرها كلسا لكل مرتاد . فيا لها موعظة لمن بقي على الأرض ممن لحق هذه البقعة
هامش
[ 1 ] ب م : أثر وفاته .
[ 2 ] ط : باسة .
[ 3 ] ط : لجمع آلات .
[ 4 ] ب م : على .
[ 5 ] ط : فاقة نعل .
[ 6 ] ب م : ولا يزال .
[ 7 ] ط : وكانت رسل الأملاك تأتيه لشراء تلك الآلات بأغلى الأثمان .
[ 8 ] ب م : تسليط اللّه تعالى له .
[ 9 ] ب م : حتى قلع ضخام صخورها وأوقد النار عليها .