فجيء بسريرها ، وابن جهور الوزير يقدم حضّارها ماشيا على قدميه ، قد ائتسى به كلّ ذي منزلة رفيعة ، ووقف على جدثها إلى أن ووريت وانفضّ جمعها ، ثمّ ضرب على قبرها قبّة عالية تمهيدا للمبيت عليها طول أسبوعها ومدة زيارة قبرها ، حسبما كانت الجبابرة تفعله في الأعصر الخالية على قبور الملوك الأعزّة ، فقضي [ 1 ] العجب بمشاهدة هذه النادرة في امرأة من [ نساء ] حثالة العامة ، مردّدة في الخمول ، لم يكن قطّ بينهما وبين النباهة من كلا طرفيها نسبة / في الدولة القريبة ولا البعيدة ، ولا ظفرت ببعل مثر ولا ذرية نبيهة ؛ عهدي ببعلها الشيخ مطرّف ناجل هؤلاء الصبيان من بنيها قرنبى حزقّة ، أحد سماسرة البرّ [ 2 ] بقرطبة ، يروح بها يومه الأطول كميش الإزار ، أعظم أفراحه ظفره بقوت يومه . وكان مع ذلك كثيرا ما ينتاب الخانات على قلّه وقماءة حاله ، فيروح نشوان العشيّات [ 3 ] يمسح الأرض بأسماله . وكان له تقدّم في ضرب القرقرة ، محكما لأفانين إيقاعها . فسبحان الكبير المتعال ، ناقل الأحوال ، مبدّل العسر يسرا .
فصل :
وتوفي فلان ، وما علم بموته لخموله ، وأخنى الدهر على أهل بيته ؛ على أنه كان خالفة منهم تطبّعا ، عاطلا من كل خلة تدلّ على فضيلة ، وله أولاد سخف قاسموه الجهل شقّ الأبلمة .
فصل :
وتوفي الوزير الحسيب ، أحد أعاظم القرية قرطبة [ 4 ] ، فسيء عوامّ الناس بمهلكه [ 5 ] ، لعفاف كان يبديه ، وبشر يشيعه ويستعمله ، وينطوي من أمثاله لأهل [ 6 ] الدنيا على ضده ؛ إذ كان زاهدا في إسداء المعروف ، راغبا عن اتخاذ / الصنيعة ، تاركا للمواساة ، شرها إلى الحطام الدنيوي [ 7 ] ، عطلا من جميع التعاليم المحظية ، لا يجيل في شيء منها قدحا ، ولا يقيم لسانه لحنا ؛ وكان قد عضّه صرف الزمان المتقلب بأهل بلده
هامش
[ 1 ] ب م : فبقي .
[ 2 ] ب م : أحد السماسرة .
[ 3 ] ب م : فيروح العشيات نشوان .
[ 4 ] ط : وتوفي فلان .
[ 5 ] ط : لموته .
[ 6 ] ب م : لأمثاله من أهل .
[ 7 ] ب م : حطام الدنيا .