تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
فأقعده إلى الأرض ، واضطرّه إلى التوكّل على مسحاته ، مرقّحا معيشته بعمارة بستانه ، إلى أن عطف الدهر عليه بصحبة متوثّبي السلاطين [ 1 ] المنتزين على الأقطار وسط الفتنة ، فخاض معهم ، وصار أخصّ من مارسها ، وشاطر السلطان خطّة المواريث ، ولزمه العمل على ذلك فسلخها نيّفا على عشرين سنة ، مري فيها درّتها من غير تعقّب ولا توقّع عزلة ، إلى أن تولّت ذلك منه المنيّة ، وقد اقتعد الثرى مطيّة .

فصل :

وتوفي الفقيه النّبيه ، السّريّ المغفّل ، المجتمع على كمال خصاله ، المتّفق على كمال خلاله ، بقرطبة ، أبو القاسم سوّار بن أحمد [ 2 ] ، ختام رجال المملكة بها ، وسوار معصمها لدى أيام الزّينة ، وكان حليما وقورا ركينا ، مطلق البشر ، حسن المشاركة ، متودّدا إلى الناس ، وجيها إلى السلطان - على انزوائه عنه ، وقد أراده أمراء التصرّف فاستعفاهم ، فخلّوه واختياره ، وكسوه أثواب الوزارة فنضاها ، ولم يعج عليها ولا ارتضاها ، حتى سقط / عنه اسمها . وكان على خصاله الجمّة من أحفظ الناس لأخبار بفصاحة لسان ، وخلابة منطق ، وحسن إيراد ، بصور إليه الأفئدة .

فصل :

من رجل غبر دهره [ 3 ] ، عطلا لا ينظر في شيء من التعاليم [ 4 ] ، إلى أن فتح اللّه عليه درس هذه المسائل الفقهيّة ، فركض في حلبة الفقهاء المشاورين ، وقدّم لعلوّ السن لا لعلوّ الدرجة ، وكان في ذاته كريه الطّلعة ، باذّ الهيئة ، درن الكسوة ، هزيل الدابة ، يمتهن نفسه في خدمة أهله ، مما يتنزه عنه كثير من العامة ، تقتحمه عيون الناس ويحصون نوادره ، وكان موصوفا بالنّهم ، على ضئولة جسمه ، وانهداد قوته ، وملازمة الذّرب لمعدته ، وطلبه لعلاجها .
هامش
[ 1 ] ط : متولي الإمارة . [ 2 ] أبو القاسم وأبو سويد ، سوار بن أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن مطرف بن سوار بن دحون القرطبي ( - 444 ) كان من أهل الذكاء والفهم حافظا للمسائل عارفا بعقد الشروط ، ( الصلة : 224 ) . [ 3 ] ط : دهرا . [ 4 ] ب م : العلوم .