فصل [ 1 ] :
وكان فلان من جمع الحطام الدّنيوي والكلف بالترقيح ، ما حدّث عنه فيه بكل قبيح ، مع انطلاق يده على الأوقاف ، وأكل أموال اليتامى والضّعاف . أخذ بأوفر حظّ من الفلاحة ، وضرب بأعلى سهم وأفوز قدح في التجارة . ثم تجاوزهما ثانيا عنانه إلى الاستعمال والعمارة ؛ فكم زوج من عوامل البقر مسوّمة بالاحتراث لسنام الأرضين ، محمولة على هام عتاة الجبابرة ، إلى عدّتها من بساتين ودكاكين ، ومنازل مغلّة ، إلى أعجل جريا منها وأسرع دورانا مع الساعات من مناسج الحرير المرتفعة ، يحوكها في طرزه ، ويرفع له فيها السوق ، فيقبض الرّبح ، ولا يستكفّ سحت الظّلمة بأفحش القبح كل القبح . كلّ هذا من داء الفتنة المبيرة ، ولا يزال مع ذلك مضاع الجار .
فصل [ 2 ] :
ونعي إلينا فلان ، وكان مع ثروته مضاع الجار ، ممطول الغريم ، عاتب [ 3 ] الصّديق ، مكرّها إلى الأنام ، معضوضا بأنياب الملام ؛ مقدّما في صدور الأمثال ببسطة الرزق ، على ضيق الباع في العلم والفضل ، والاتساع في الجهل ، فلا يحفظ من الفقه مسألة ، ولا يوثّق من الشروط عقدا ، ولا يتخلّص في التلاوة من سورة ، ولا يفيض في الأدب ببيت شعر ، ثم يأوي بجهله إلى حرج صدر ، وغالب نزق ، فلا تلقاه الخصوم أبدا إلّا سريع التغضّب سيّئ التناول ، ينازق الذّباب [ 4 ] شراسة . سوّلت له نفسه الجهول أنه قاض لمّا ناسب الذّكاونة [ 5 ] ، وأوّل من [ 6 ] ظفر من قلانسهم بطويلة ، فنبذ مسحاة الفلاحة ، وأعجبته نفسه الغثراء فخال أنه إمام الأمّة المستظهر [ 7 ] على الإمارة ، فارتقى إلى [ 8 ] الغيّ ذرى شاهق زلّت منه قدمه ، فهوى في الحضيض أسرع من رقيّه . غرّه ابن عمّه الشهير البطالة ، السفيه الماجن ، من رجل دد [ 9 ] ، لم يكن قطّ من الجدّ في صدر ولا ورد ، دنّ شراب ،
هامش
[ 1 ] لم يرد في ط .
[ 2 ] العطاء الجزيل : 30 .
[ 3 ] ط : عانت .
[ 4 ] العطاء : الذبابة .
[ 5 ] الذكاونة : أسرة بني ذكوان .
[ 6 ] العطاء : ما .
[ 7 ] العطاء : المسيطر .
[ 8 ] العطاء : في .
[ 9 ] ط : حرد .