تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
مرفق [ 1 ] إلّا من حيث يرتشيه ، لتلقين خصم أو توهين عقد ، أو دفع حقّ بمشاغبة ، أو بهت خصم بمعاندة ، له في ذلك نوادر محفوظة . وكان مع هذه المساوئ وسخ الثياب ، زمر المروءة ، مكحل الأظفور [ 2 ] ، وضر الطّوق ، داني الغائط من المائدة ، لا يتقذّر شيئا البتّة . وهو أوّل من لا عن زوجه [ 3 ] بالأندلس فأرى النّاس [ 4 ] العمل في اللّعان بالعيان .

فصل [ 5 ] :

وكان فلان [ 6 ] من البخل بالمال ، والكلف بالإمساك ، والتّقتير في الإنفاق ، بمنزلة بذّ فيها ملوك عصره . لم يرغب قطّ في صنيعة ، ولا سارع إلى حسنة ، ولا جاد بمعروف ، فما أعملت إلى حضرته مطيّة ، ولا عرّج إليه أديب ولا / شاعر ، ولا امتدحه ناظم ولا ناثر ، ولا حظي أحد منهم بطائل ، ولا استخرج منه درهم في حقّ ولا باطل ، فأصبح في اللؤم قريع دهره ، وفريد عصره ، لا يعدله فيه ملك ولا سوقة . وكان فرط الثوار بصقع الأندلس في إيثار الفرقة ، وتشتيت كلمة الجماعة ، فاقتطع ناحية ، وتفرّد في الشّقاق ، وصار جرثومة الخلاف والنّفاق ، إذ أمّه من بعده ، وسلك سننه ، فتركه اللّه في ضلاله ولم يرض له عقوبة الدّنيا مثوبة ، لما هو أعلم به . من رجل كثرت جبايته ، وكثف جمعه ، فكلما درّت ضروع ورقه وتبره ، وغزرت استفادته ، زاد حرصه ، وتضاعف جشعه :
كالحوت لا يكفيه شيء يلقمه * يصبح عطشان وفي البحر فمه [ 7 ]
هامش
[ 1 ] العطاء : بمرفق . [ 2 ] ب م : الأظفر . [ 3 ] في أخبار أبي عمر أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني المعروف بابن الهندي أنه لاعن زوجته ( سنة 388 ) فلما لاموه في ذلك قال : أردت إحياء سنة ( الصلة : 9 ، والمغرب 1 : 212 ، والديباج المذهب : 38 ) ولا أدري إن كان هذا هو الذي يتحدث عنه ابن حيان هنا ، فإن ابن الهندي وصف أيضا بأنه كان حافظا للفقه وأخبار أهل الأندلس ، بصيرا بعقد الوثائق ، ألف فيها ديوانا كبيرا ، وكان طويل اللسان بصيرا بالحجة تنتجعه الخصوم فيما يحاولونه ويشاورونه ، وكان وسيما حسن الخلق والخلق ( توفي سنة 399 ) . [ 4 ] العطاء : فرأى الناس . [ 5 ] لم يرد في ط . [ 6 ] يستدل مما ورد في الجزء الرابع من الذخيرة ( 4 / 1 : 143 ) أن الموصوف في هذه الفقرة هو إسماعيل بن ذي النون . [ 7 ] الرجز لرؤبة في ديوانه : 159 ، والمعاني الكبير : 641 ، والدرة الفاخرة : 309 ، والخزانة 2 : 267 ؛ وفي المثل : « أعطش من حوت » .