وحكي أنّ والد سليمان حين عاين قتل ابنيه بين يديه قال له عليّ : أهكذا يا شيخ قتلتم هشاما ؟ قال : لا واللّه ما قتلناه وإنّه لحيّ يرزق ! فحينئذ عجّل عليّ بقتل الشّيخ ؛ وكان رحمه اللّه تقيّا صالحا لم يتشبّث [ 1 ] بشيء من أمر ابنه .
/ وكان هشام يقول برموز الملاحم وكتب الحدثان ، وخامر نفسه من ذكر قائم بسبتة ، أوّل اسمه عين ، ما لا شيء يزيله ، ولم يزل مرتقبا لظهوره ؛ فلذلك ما كاتب عليّ ابن حمود لرفع بيته ، وبعد صيته ؛ فكان منه في أخذ بثأره بعد موته ما كان . فإن كان كذلك ، فهشام - على مشهور عجزه - أحد كائدي الأعداء بغيره من منكوبي الملوك بما لا شيء فوقه ، فما أدرك فيه بعد هلاكه بوتره واستقاد بدمه وسطا بعدوّه ؛ انتهى ما لخّصته من خبره مع ابن حمود .
فصل : قال ابن حيّان [ 2 ] : وأمّا حربه مع المهدي ، فإنّه لما استوسق الأمر لسليمان حسبما تقدّم [ 3 ] ، وتابعته البرابرة ، اجتمعوا لحرب قرطبة ، فنزلوا في سفح الجبل بها وبشرقيّها ، يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة أربعمائة ؛ وقد كان واضح الفتى وافاها قبلهم بيومين في أجناده من رجال الثّغر ، فقلّده المهديّ أمر الحرب ، واحتشد الناس من الكور والبادية ، فعسكروا في جموع لم يحصها إلا خالقهم ، فتدانى الزحفان يوم السبت الثالث عشر من ربيع المؤرخ ، فتسرّع إليهم أهل قرطبة ، وخالفوا واضحا في تدبير حربهم ، فاستجرّتهم البرابرة ، حتّى إذا تمكّنوا منهم عطفوا عليهم ، فانكشفوا عنهم انكشافا ما سمع بمثله ، وانهزموا إلى منازلهم ، وتشعّبت الطرق بهم ، وعاد تضيّق مسالك كانوا أعدّوها لعدوّهم سدادا دونهم ، فازدحموا وتناشبوا وقتل بعضهم بعضا . ووضع البرابرة والنصارى السيوف عليهم ؛ فقتل في هذه الوقعة عالم ، وأبادوا أمّة . وهي وقعة قنتيش المشهورة بالأندلس التي قطع المقال على أنه قتل فيها عشرة آلاف قتيل وأزيد .
واللّه أعلم .
/ ومال النصارى يومئذ على المنهزمين من المسلمين ، فقتلوا منهم في صعيد واحد نيّفا على ثلاثة آلاف رجل . وخرج الأمر عن يد واضح ، فلم يثبت أحد ممّن كان معه ،
هامش
[ 1 ] البيان : يتلبس .
[ 2 ] انظر مخطوطة الرباط ، رقم : 1275 ص 156 - 159 ففيها تفصيلات لم ترد هنا ( نقلا عن ابن حيان وعن عبد الرحمن بن عون اللّه مختصر تاريخ ابن حيان ) .
[ 3 ] حسبما تقدم : لم ترد في ط .