وأحبّ أن تبادر غدا إذا دخل عليّ وتقتله ؛ قال : نعم ؛ وجعل له علامة ، فلما دخل عليه لم ير العلامة ، ووقف حتّى خرج أخوه ، فقال له : يا باغر ، هو أخي وعسى أن أستصلحه [ 1 ] ؛ وهاهنا امرؤ هو أعظم وأكبر من / هذا كلّه . قال له باغر : من هو ؟ قال :
المنتصر ، قد صحّ عندي أنه على الإيقاع به وقتلي ، وأريد قتله ، فكيف ترى نفسك في ذلك ؟ ففكّر باغر ساعة ونكس رأسه طويلا ثمّ قال : هذا أمر لا يجيء منه شيء . قال :
ولم ؟ قال : لا نقتل [ 2 ] الابن والأب باق ، إذ لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلّكم .
قال : فما الرّأي ؟ قال : نبدأ بالأب ويكون أمر الصّبيّ أيسر ؛ قال : وتفعل هذا ويحك ؟ ! قال : نعم ، أفعله وأدخل عليه إلى قتله ، وادخل أنت في أثري ، فإن قتلته وإلّا فاقتلني أنت ، وضع سيفك عليّ وقل : أراد أن يقتل مولاه . فعلم بغا حينئذ أنه قاتله ، فتمكّن له التّدبير على المتوكّل .
وحدّث البحتري الشاعر قال [ 3 ] : كنّا عند المتوكّل مع الندماء ، فتذاكرنا أمر السيوف ؛ فقال بعض من حضر : يا أمير المؤمنين ، وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير . فأمر المتوكّل بالكتاب فيه إلى عامل البصرة ؛ فاتّفق أن اشتري بعشرة آلاف درهم ؛ فسرّ المتوكّل بجودته ، وانتضى [ 4 ] فاستحسنه المتوكّل وقال للفتح بن خاقان : اطلب لي غلاما نثق بنجدته وشجاعته ، أدفع إليه هذا السّيف ليكون واقفا به على رأسي كلّ يوم ما دمت جالسا ؛ قال : فلم يستتمّ المتوكّل الكلام [ 5 ] حتى دخل باغر التركيّ المذكور ، فدعا به المتوكّل ، ودفع إليه ذلك السيف ، وأمره بما أراد وتقدّم بأن يزاد في مرتبته . قال / البحتري : فو اللّه ما انتضى ذلك السيف ولا أخرج من غمده منذ الوقت الذي دفع إليه إلّا في اللّيلة الّتي ضربه فيها باغر بذلك السّيف [ 6 ] .
رجع الحديث :
قال ابن حيّان : فلمّا كانت [ 7 ] سنة خمس وأربعمائة طلع النّبأ على سليمان أنّ
هامش
[ 1 ] ط : ولعلني أستصلحه .
[ 2 ] ط : يقتل .
[ 3 ] النقل مستمر عن مروج الذهب 7 : 267 ، وانظر : ربيع الأبرار : 279 / أ ، وتمام المتون : 52 .
[ 4 ] ط : وسيق وانتضى .
[ 5 ] ط : الحديث .
[ 6 ] ط : منذ دفعه إلى باغر . . . فيها بذلك السيف .
[ 7 ] ط : كان .