وقد قال عبد الملك بن مروان يوما : احفظوا [ 1 ] أحسابكم يا بني أميّة ، فما أودّ أن يكون لي ما طلعت عليه الشّمس وأنّ الأعشى قال فيّ :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى يبيّن خمائصا
ولما سمع علقمة بن علاثة هذا البيت بكى وقال : أنحن نفعل هذا بجاراتنا ؟ ودعا عليه ؛ فما ظنّك بشيء يبكي علقمة بن علاثة ، وقد كان عندهم لو ضرب بالسّيف ما قال حسّ ! ؟ وقد كان الرّاعي يقول : هجوت جماعة من الشعراء وما قلت فيهم [ 2 ] ما تستحيي العذراء من إنشاده [ 3 ] في خدرها .
ولمّا قال جرير :
فغضّ الطّرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
أطفأ مصباحه ونام ، وقد كان بات ليلته يتململ ، لأنّه رأى أن قد بلغ حاجته وشفى غيظه . قال الرّاعي : فخرجنا من البصرة فما وردنا / ماء من مياه العرب إلّا وسمعنا البيت قد سبقنا إليه ، حتى أتينا حاضر بني نمير فخرج إلينا النساء والصّبيان يقولون : قبّحكم اللّه وقبّح ما جئتمونا به ! .
والقسم الثاني هو السّباب الذي أحدثه جرير وطبقته ، وكان يقول : إذا هجوتم فأضحكوا . وهذا النوع منه لم يهدم قطّ بيتا ، ولا عيّرت به قبيلة ، وهو الذي صنّا هذا المجموع [ 4 ] عنه ، وأعفيناه أن يكون فيه شيء منه ، فإنّ أبا منصور الثّعالبي كتب منه [ في يتيمته ] ما شانه وسمه [ 5 ] ، وبقي عليه إثمه .
ومن مليح التعريض لأهل أفقنا قول بعضهم :
في بني الحيّان سر * فيه للعالم ( آية )
يفهم القوم بشيء * نسأل اللّه الكفاية
هامش
[ 1 ] ب م : قوا .
[ 2 ] ب م : وما هجوت أحدا منهم .
[ 3 ] ب م : أن تنشده .
[ 4 ] ب م : هذا الكتاب .
[ 5 ] ب م : اسمه .