فيعمل بحسب ذلك . فإن كان مميّزا عاقلا فهو وليّ الدّم القائم بطلبه دون من تقدم إلى ذلك من بني أخي المقتول وأبناء عمّه ، وعندها [ 1 ] تستقيم له الفتوى في طلبه . فخالفه صاحبه ابن عتّاب [ 2 ] ، وألغى حقّ الغليم ابنه عبد الرحمن ، ونجم الخلاف وبان الإشكال .
فأخذ ابن جهور برأي ابن عتّاب ، وانفصل الحفل عن الأخذ بالقسامة على / المتّهمين ثلاثتهم ، زيادة اللّه ابن القتيل وأمه وأم ولده الأخرى ، وسجن زيادة الشرّ ابنه زمانا طويلا ، ثم سرّح فظلّ خاسئا بين النّاس ، يخال أنّه طليق وهو من شنآنهم ومقتهم في محابس موصدة . وطاح دم أبي مروان - رحمه اللّه - فلم يقرع فيه أحد بضغث ، ولا حبقت فيه عنز . وبلغت تركته قيمة وافرة في أثمان دفاتر ، وأثاث فاخر ، ومتاع رفيع ، من كسوة وفرش كثّر النّاس جملته ، وأخذوا في مذمّته لسوء ما كان يدّعيه من القلّ ، ويأخذ نفسه به من شظف المعيشة [ 3 ] . وللغرائز المفطورة سلطان على النفوس لا يغالب بصدق نظر ولا قوة معرفة ، ومن أدّى حقّ اللّه في ماله فليس بشحيح فيما قتّر [ 4 ] من إنفاقه ؛ على أنّ المرء راع مسؤول عمّن يقوته من أهله ، حبانا اللّه بالتوفيق ، وأقامنا على وضح الطريق ، بمنه ؛ انتهى ما لخصته في هذه الحادثة من كلام ابن حبّان .
قال ابن بسام : قول أبي مروان فيما تقدم من وصفه لابن هذا القتيل [ 5 ] إذ جاء سائلا عن مصيبته « سؤاله بالشيء الذي هو جاهله » ، محلول [ 6 ] من قول خوّات بن جبير ، ويتعلق به خبر نورده على العادة من الزيادة في الإفادة : ذكر أهل الأدب أن الأتراك لما قتلوا المتوكل [ 7 ] جعفرا بتدبير ابنه المنتصر ، / وكان ذلك ليلا ، فلمّا وقعت الصّيحة وارتفعت حضر المنتصر للحين [ 8 ] ، فجلس على كرسي وحفّ به بغا الصّغير وجميع قتلة أبيه ، فجعل المنتصر يسأل ويقول : ما هذا الصياح وما هذا الخبر ؟ سؤال جاهل به ، فكان كما قال خوّات بن جبير :
هامش
[ 1 ] ب م : وعند ذلك .
[ 2 ] هو أبو عبد اللّه محمد بن عتاب ( 383 - 462 ) شيخ أهل الشورى في زمانه ، قدم إلى تلك الخطة سنة 414 أيضا وكان عليه مدار الفتوى ( الصلة : 515 ) .
[ 3 ] ب م : العيشة .
[ 4 ] ب م : قدر .
[ 5 ] ط : قوله عن ابن هذا القتيل .
[ 6 ] ط : حله .
[ 7 ] ب م : لما قتل الأتراك المتوكل .
[ 8 ] ط : للخبر .