تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
فأمّا ابنه أبو مروان هذا فكان من أهل الحديث والرواية ، / ورحل إلى المشرق ، وسمع من جماعة من المحدّثين [ 1 ] بمصر والحجاز ، وقتل بقرطبة سنة سبع وخمسين وأربعمائة . ولمقتله خبر طنّ ابن حيّان به ، ولم يمنعه من سرد قصصه استبشاعه ، وحسبك من شرّ سماعه ؛ ونلمع منه بلمعة . قال ابن حيان : وذلك أنه عدا عليه - زعموا - نساؤه بتدبير ابن سوء خلف له ، حملهنّ على ذلك لشدّة تقتيره على نفسه وعليهن في المعيشة ، وحبسه لهنّ مع ذلك عن التماس الحيلة لتوسعة الضيّقة . فقد كان في ذلك ، مع انسدال السّتر عليه ، وسعة ريعه بالحضرة [ 2 ] ، وبعد نجعته لابتغاء الفائدة ، إلى استناده لراتب هلالي واسع كان يجريه السلطان عليه [ عونا ] على صيانته ، ويأبى إلّا التزيّي بالقلّ والاعتزاء إلى المسغبة ، عجبا لمن عرفه أو سمع به ، يصدّق زعم الجاحظ في نوادر كتابه في البخلاء ويزيد عليها ؛ فحمل عنه في ذلك أشياء يكاد النظر يحيلها ، حتى لأفضى به تقتيره على أهله أن وكلهنّ إلى أنفسهنّ في أكثر مؤنهن ، وقاتهنّ بأمداد من غلث [ 3 ] الحبتين القمح والشّعير ، يستدعيها لهن من متقبّل غلّته مياومة ، ويكلّفهن [ 4 ] استطحانها بأيديهن ، وهو قد [ 5 ] استوحش منهنّ واعتزلهنّ ، وانفرد بنفسه ليله ونهاره ، لا مؤنس له سوى غلام حزوّر من ولده ، مئوف الخلقة ، ضعيف العقل ، لا أمّ له ، يدعى عبد الرّحمن ، آواه إليه من جميع ولده وأقصى سائرهم في قعر داره ، وصيّر بينه وبينهنّ عدّة أبواب موصدة ، فأصبح بمكانه ذلك في ربيع الآخر من العام المؤرخ قتيلا فوق فراشه ، مضرّجا بدمه ، مبعوجا بالخناجر في / وريده ولبّته [ 6 ] وأعالي جسده ، مفزعا لمن عاين مصرعه ، قد أعلن نساؤه بالنّوح عليه ، يزعمن أنه طرق بمكانه منفردا عنهنّ [ 7 ] ، وأخبرن أنّ ابنه زيادة اللّه المسمّى باسم جدّه لم يكن عنده علم حتى جئن إليه وأخبرنه بما جرى على أبيه ، فهبّ مستعملا للرّوع مغالطا بالدمع ، داعيا بويله ، سائلا عن أبيه سؤاله بالشيء الذي هو جاهله ، بلسان
هامش
[ 1 ] ب م : جماعة المحدثين . [ 2 ] ط : دريعه ؛ ب م : ربعه بالحاضرة . [ 3 ] ب م : علف . . . البر . [ 4 ] ط : ويتكلفهن . [ 5 ] ط : وقد . [ 6 ] ط : وأليتيه . [ 7 ] ب م : لمكان تفرده عنهن .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 415 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس