تحيّل [ 1 ] ينبئ عن دهشه ، وعين جمود تدلّ على صحوه . وقد تكابس [ 2 ] النّاس عليه توجّعا لأبيه . وطلب موضع تسوّر عليه ، أو نقب يولج منه إليه ، فلم يقف أحد على عين ولا أثر من ذلك ، فعرف ابن جهور بما جرى ، فأوقع التّهمة به ، واستبعد أن يطرق أبوه بتلك الدّاهية ، من يد أعتى المردة ، إذ كان من وطأة الخلق ، ودماثة النّفس ، وخلابة المنطق ، واجتلاب المودّة من جميع الخلق ، وطلب السّلامة منهم ، بحيث لا يحقد عليه ذو غائلة منهم ولا يغتاله صاحب فتكة . فأحاق به تهمته وأمر صاحب المدينة بالتوكيل به والكشف على داهية أبيه المصاب ، والوقوف على صور محنته ، فلم يوقف على أثر امتحان ، وبحث عن الأمر فشملت الريبة أهله ؛ واستفهم صاحب المدينة الغليّم ابنه عبد الرحمن فوصف أنه شاهد المحنة ، وأخبر أنّ امرأته أمّ ولده زيادة اللّه وابنتيها ، ابنتي القتيل ، تولين شأنه بسكّينه الذي كان يحاول به النّسخ حتى برد ، ولم يذكر أن ابنه زيادة اللّه حضر ذلك ، ففحشت القصة ، واضطر صاحب المدينة إلى هتك حجاب القتيل في نسوانه ، وبطش به يضرب أم ولده الفاجر زيادة الشر ، فدرأت عن نفسها العذاب بإقرارها بكيفية الحال وصفة المحنة المهولة ؛ فسجنوا . ودفن / أبو مروان اليوم الثاني من مصابه ، ولم يتخلّف أحد عن جنازته ممن سمع خبره ، لاشتهار فضله فيهم ، واجتماع صالح الخلال له من الفقه والحديث والرّواية والأدب والشّعر واللغة والعربية ، إلى دماثة الخليقة ، واستقامة الطّريقة ، والتزام الحقائق ، واكتمال الإيمان ، بقضائه لجميع فرائضه ، وعوده في نافلة الحجّ بعد تأدية فرضه ، على وهن بجسده ، وتخلّف في ناضّه ، رغبة في الاستكثار من الخير ، والترقي في المعرفة ، وزيادة لمعاني العلم [ وطلبه ] ولقاء رجاله .
فأكثر النّاس من تأبينه ، وأخلصوا الدّعاء على قاتليه ، واستبطئوا السلطان في إنفاذ [ 3 ] الحدّ عليهم بالشبهة التي ظهرت . وأفتى الفقهاء بتطويل سجنهم بعد الضّرب المبرّح . وتوقّف ابن القطّان [ 4 ] عن صدع [ 5 ] الفتوى في القصّة إلّا بعد إنعام النّظر على عبد الرحمن ابنه ، والوقوف على جنس آفته : هل هي في جسمه دون عقله ، أو في أحدهما ، أو كليهما ،
هامش
[ 1 ] ب م : جهل .
[ 2 ] م : تكاثر .
[ 3 ] ط : بإنفاذ .
[ 4 ] هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عيسى بن هلال ( 390 - 460 ) ، كان بارعا بمعرفة المسائل واختلاف العلماء والفتاوى والوثائق ، قدمه المستظهر للشورى سنة 414 ( الصلة : 64 - 65 ) .
[ 5 ] ب م : صريح .