تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الذي أنسوا إلى خيره ، وآثروه على غيره ، لو أقامه الصبيان مقام الطبل ، وجعلوه هدفا للنبل ، لم يكن أثرهم فيه إلّا أثر الندى في صمّ الصفا . وفي اختلاف ألوانه تذكرة للناظر إليه ، وعظة لمجيل بصره فيه ، فما كان منه أسود ذكّر بسواد الشباب ، وقميص الفتوّة ، وطيب زمن الحداثة ، فأبكى لفراقه ، وقلّة المتعة به ؛ وما كان منه أبيض ذكّر ببياض المشيب ، ونذير الرحلة ورائد الأجل ، فجرّ إلى العبادة وبعث على صالح العمل . هذه - أبقاك اللّه - خصال لو قسمت على كلّ مستعمل لهذا الشأن من رخيص وغال ، ودون وعال ، لأربت على الكفاية ، وجازت مدى الغاية ، فعها من ممليها ، ودع القوس لباريها ، وأسلم أعنّة الجياد إلى مجريها . لم آت في معناها بظلمة تحتاج إلى صباحك ، ولا جئت بلفظ ذي تهمة يضطرّ إلى إيضاحك . فإن كنت قد لبست شكّة المعارضة ، وأوترت قسيّ المناقضة ، ورشت سهام المناقلة ، فإلى غيري فاكشف صفحتك ، / في سوى هذا الفن فشمّر عن ساعديك ، فقد قام بنفسه وأعرب عن ذاته ، ولم يترك مقالا لقائل ، ولا مجالا لجائل . وأخاف عليك - شحّا بك - أن تستقبل بذمّ هذه الأهب كلّ مفترش لها ، مغتبط بها ، فلا تجده إلّا شيخا رائع الوسامة ، أبيض الشّعرة ، أنس إخوانه ، وحلس أسطوانه ، قد حفظ المسائل ، وملا من إجازات الشيوخ الخزائن ، تقصده الفتيات والفتيان ، وتفدّيه الجارات والجيران ، وتتنافس في حضوره أيّام الزّفاف ، ويختصّ بصدور المجالس وطيّبات الصّحاف ، أو معلّما ذا سبلة طولى ، وجبين أخلى ، قد ائتمنته الملوك على ثمار قلوبها ، وعماد ظهورها ، وقطع أكبادها ، يتوسّط من صبيته قلب جيش ، ويعيش بألطاف أمّهاتهم أخصب عيش ؛ يقعد عنده الورّاقون ، ويتحاكم إليه في الحطوط الناسخون ، فإذا كانت أيّام الأخمسة والجمعات أطال قلنساته ، وولّى الزيارة منساته ، وسار مهينما بتسبيحه وتقديسه ، وتهليله وتحميده ، يزور الإخوان ويتعاهد المعارف ، والكل هشّ إليه ، مقبل عليه . فإن عارضت هذا الجنس ، وناقضت هذا الصّنف ، دون اتّقاء من وراءهما من الأصاغر والأكابر ، والملوك والسّوقة ، ضاقت عليك الأرض وكثر عدد الحصى ، ولم يستثبت في شأنك ، ولا رقّت كبد لرقّة بيانك . وأخوك من صدقك ، ومحبّك من نصحك ، وأنا أستغفر اللّه ممّا كان في ذلك من قول أو عمل ، والسّلام .