وكان له ظهريّ [ 1 ] من نفسه . فغال ولو في درانك عبقر ، ورفرف تستر ، فلن تبلغ من هذه الفضيلة ، ولن تحظى بمثل هذه المزية ، مع قلة المئونة ونزارة الكلفة .
ثم اعلم أنها من معاهد صالحي السّلف ورؤساء الحكمة ، الذين كانوا بالدنيا أعرف ، وعن زخارفها أعزف ، جاءت بذلك الأخبار ، ونقله الخيار . ولم يجعل اللّه عزّ وجل من هذا الجنس أقرب قربان فدى به ابن خليله ، وسمّاه ذبحا عظيما في تنزيله ، إلا لسر من فضله سبق في علمه .
فإن قلت : لا ترى صنفا من الناس أكثر افتراشا لها من المعلمين ، وقد قيل إن العقل لا يرضى عندهم ، فكيف تسلم في حسن الاختيار لهم ، واختيار المرء قطعة من عقله ، وعيار على نقصه أو فضله ؟ قلت لك : الصوف تجمع أنت وكلّ ذي معرفة على أنّه زي / النساك ، ولباس المنقطعين للتعبد ، وعمدة الطراز الأول من السلف . فإن قلت :
وها هو في جزيرتك زي رهبان البيع وأرباب الخانات ، وهم أضعف الناس أحلاما وأدناهم طينة ، والقائلون بأن اللّه ثلاثة - تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا .
فجملة القول في هذا المعنى أنه لم يحجب اللّه تعالى وجوه المعاش ، التي يصحبها جميل النظر ، ويلوح عليها سيما البركة عن جنس من خلقه دون جنس ، ولا أبداها إلى صنف وحجبها عن صنف ، بل ألهم الكلّ إلى رشده ، وعرّفه نهج معرفته ، ( وإن تباينت ) [ 2 ] الأشكال والمراتب ، واختلفت النّحل والمذاهب . كما جعلها لقدرته في سائر الحيوان من الطائر والداخر بين الآنس والشارد في صحصح القفر . كل يختلف مسعاه لنفسه ، ووجه تدبيره لشأنه ، على ما يسّر له وألهم إليه . والمعلّمون نظروا إلى ضعف سبب اكتسابهم ، وفكّروا في تيسّر ما تعود عليهم صناعتهم ، فأخذوا بالأقوى والأرفق ، واعتمدوا على الأرخص والأوفق ، ثمّ علموا أنّهم إن تحاملوا على أنفسهم ، وافترشوا ما يزينهم [ 3 ] لم يلبث أحدهم أن يقوم عن مجلسه لبعض الأمر أو لقضاء الفرض ، فتقوم حرب لعب الصبيان على ساق ، وتبلغ بتمزيق ذلك الذي افترشه وغالى فيه بالأيدي والأقدام ، والترامي والازدحام ، ما لا تبلغ أنياب كلاب القنص في إهاب العقيرة ، فيعود ( فيرى ) [ 4 ] ما يسخن العين ، ويوجب الرّين . وهذا النوع
هامش
[ 1 ] ب م : ظهيري .
[ 2 ] زيادة لاكتمال المعنى .
[ 3 ] ب م : يزنهم .
[ 4 ] زيادة للمعنى .