تلقاء منزله ، وفي حاشية محلّه ، وعدنا منذ عام بأن يسهم لنا في جنى نخلة لديه ، لم تتفقّأ تربة هجر عن مثلها ، ولا أوت قماريّ بصرى [ 1 ] إلى شكلها ، فجئناه لنأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ، ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين .
قال الفتى : يا لإخواني في الخيبة ، وشركائي في فوت الأمل ؛ أنا ساكن المحلّة التي منبت هذه النخلة في ساحتها ، وقد صرمها منذ خمسة عشر يوما ؛ ولقد كنت قبل صرامها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق ، فإذا رأت [ 2 ] الطير وهي على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتي ، وأتابع عليها من زفراتي ، رمتني بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى . وأنا اليوم أبكي منها ربعا خاليا ، وبعد ثالثة أغدو عنها جاليا [ 3 ] .
/ فما هذا الخيس أبا عبد اللّه بعهدك ، وما هذه الرّبدة في وجه عدوّك [ 4 ] ، وما هذا الاستئثار على إخوانك المؤثرين لك ؟ إن كنت لم تحضرنا يوم صرامها لنحتكم على قولك فيها ، ونأخذ معك بأجزل الأقسام منها ، فالعذر لا يضيق عنك ، واللوم لا ينبسط إليك . هات مما ذخرته لساعات تفكّهك ، أسهم لنا فيما اعتدته ليوم نوروزك . لم يكن جناها بنزر فيتقسّمه الإهداء ، ولا بدون فتطيب عنه النفس . ولا تخش منا ما أفسد به ( ابن الزبير عماله ) حين قال لهم : « أكلتم تمري وعصيتم أمري » [ 5 ] ، إذا نحن أكلنا منها فمرنا نناصب عنك أعداءك برّا وبحرا ، ولا نعص لك أمرا .
جعلنا اللّه فداك : نحن عصابة نتحلّى بأدب ، وننتمي إلى حفظ غريب وصياغة قريض . وربما لم تصدّق في هذا الطريق مضاءنا ، ولا قبلت يقينا غناءنا ؛ فأردنا أن نصف لك شيئا من كلام العرب في النّخل وبدء نباته ، والتمر وتلوّن حالاته ، فإن سرّك ما جئنا به ، وراقك ما أفضنا فيه ، جعلت جوائزنا تمرا ، وكان ذلك لنا أجرا .
نعم ، تقول العرب لصغار النخل [ 6 ] : الجثيث ، والودي ، والهراء ، والفسيل ، والأشاء ، والكافور ، والضّمد ، والإغريض . فإذا انعقد سمّته السّياب ، فإذا اخضرّ قبل
هامش
[ 1 ] كذا ولعل الصواب : بصرة .
[ 2 ] ب م : رأيت .
[ 3 ] ب م : حاليا .
[ 4 ] وما هذه الربدة في وجه عدوك : عبارة مستقيمة المعنى إلا أن معناها غير ملائم للسياق ؛ ولعل الصواب : « ما هذه الربدة . . . وعدك » .
[ 5 ] عند البلاذري ( الأنساب 5 : 194 و 363 وانظر الاشتقاق : 407 ) أنه قال ذلك لعامله على وادي القرى .
ويقال : إنه قالها لشيوخ من العراقيين وجههم إليه مصعب .
[ 6 ] انظر : المخصص 11 : 102 وما بعدها ، والتلخيص : 486 .