لولا طلابي غريب المدح فيك لما * وصفت قبل علاك السيف والقلما
وإنّما كان تعريضا كشفت به * من البلاغة وجها كان ملتئما
( رسالته في النّخلة ) :
أما بعد - جعلك اللّه من المؤثرين على أنفسهم والموقّين شحها ، والمنجزين لمواعيدهم والمعطين صدقها - فقد علمت ما سلف لنا في العام الفارط من عتابك ، ولبسنا شكته من ملامك ، لمّا كتمتنا صرام النّخلة التي هي بأرضنا إحدى الغرائب ، وفريدة العجائب ، هربا من أن نلزمك الإسهام في رطبها ، وحرصا على تمام لذّة الاستبداد بها ، وقلت ، وقد سألناك من جناها قليلا ، ورجونا أن تنيلنا منها ولو فتيلا :
لو علمت أنّ لكم به هذا الكلف ، وإليه هذا النّزاع ، لأمسكته عليكم ، وجعلت حكم جداده [ 1 ] إليكم ؛ ولكنها إن شاء اللّه في العام الآنف غلّتكم ، عتاد نفيس لكم ، وذخر حبيس عليكم .
فأما نحن فرسمنا تلك العدّة في سويداوات قلوبنا ، ووكلنا بها حفظة خواطرنا ؛ وأما أنت فهلت عليها التراب ، وأسلمتها إلى يد البلى . حتى إذا أخذت الأرض زخرفها / وازّيّنت زينتها ، وبلغت [ 2 ] غايتها ، وأشبع القمر صبغها ، وأحكمت الشمس نضجها ، دببت إليها الضراء بصرامك ، ومشيت نحوها الجهر بجرامك [ 3 ] ، على حين نام السّمّار ، وغفلت الجارة والجار ، وأبت بها إيابة الأسد بفريسته ، وتحكّمت فيها تحكّمه في عنيزته [ 4 ] .
ولما رأينا على ذلك طلائع الرّطب في الأسواق ، والجنيّ من بكر النّخيل على الأطباق ، هزّت جوانحنا ذكر العدة ، وقلقل أحشاءنا حذر الخيبة ، فركضنا الهماليج إلى حرمتك ، وجعلنا نشتدّ طمعا في لقائك ، فلما غشينا الجهة تلقّانا فتى وضّاح الجبين ، آخذ بالعيون ، في وجهه للأدب شاهد ، وبين عينيه من الظرف رائد ، فقال : بأبي أنتم ، وعين اللّه تكلؤكم حيث كنتم ، أراكم ناشدي ضالة أو مستدركي سيب فائت ، فاسألوا فربّما سقطتم على الخبير ، وشاوروا فالمشورة تفتح غلق الأمور . فقلنا له : بآبائنا أنت ، إنّا لنرجو بيمن لقياك ظفرا بالمطلب ، ونجحا في المذهب . جارك وصديقنا الذي نحن
هامش
[ 1 ] الجداد - بفتح الجيم وكسرها - : قطف النخل أو الثمار عامة .
[ 2 ] ب : حتى إذا أخذت الأرض زينتها وبلغت .
[ 3 ] الجرام : صرام النخل ؛ وفي ب م : بحرابك .
[ 4 ] لعل الصواب : « عقيرته » .