سجام ، كأنّهن سخام ، ورأس لم يتقلقل فيه لب ، وجوف لم يتخضخض فيه قلب ، أوحش من جوف العير [ 1 ] ، يشهد عليه كثرة الجور بقلة الخير . فهبّ من نومك ، وأفطر من صومك ، وتحكّم بطرف نظّار ، في جسم ماء وحلة نار . إن انتضاني جاهل ، أوهمته أني سائل ، ففرّ خوفا أن يغرق ، وولى حذرا أن يحترق ؛ في بحر زبده الشّعل [ 2 ] ، وبرق سحابه الخلل [ 3 ] . لو انتضيت والشمس كاسفة لم ينظر وقت تجلّيها ، أو السنون مجدبة أيقن بالحيا راعيها . قد خطّ الفرند في صفحتي أمثال صغار الخيلان ، في البيض من صفحات الحسان . أكرع يوم الوغى في لبّة البطل ، فأعود كالخد كسي صبغ الخجل ، كأنما اشتملت بالشقيق ، أو شربت ماء العقيق .
فقال القلم : إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا [ 4 ] . ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة [ 5 ] . إن ماءك السائل لجامد ، وإن جرمك الملتهب لبارد ، ولن يغرق فيه حتى تكرع في السّباسب العطاش ، ولن يحترق به حتى يقع في نار الحباحب الفراش ، فاقصر عن جفنك من العمى رواقا ، وأحلل من خصرك للجهل نطاقا ، يسفر البلاء لك عن قضيب عاج ، ولسان سراج ، وقدح ورق جلّل بالعقيان ، وحلّة نرجس فوق جسم أقحوان ؛ للّيل في فوديه لطخ ، وللمسك في صدغيه نضخ . أنجلي عن المهارق ، انجلاء / الغمام عن الحدائق ، وأرقم في بطون الصحف ، ما لا يرقم الربيع في الرّوضة الأنف ، من منمنم يختال بين مسهّم ، ومعضّد فوق مسرّد [ 6 ] .
ولما كثر تعارضهما ، وطال تراوضهما ، وقابل كل واحد منهما بجمعه جمعا ، وقرع بنبعه نبعا ، ولم ينثن أحد الصّارمين كهاما ، ولا ارتدّ أحد العارضين جهاما ، تبادرا إلى السّلم يعقدان لواءها ، وإلى المؤالفة يردان ماءها ؛ وقالا : إن من القبيح أن تتشتّت أهواؤنا ، وتتفرق آراؤنا ، وقد جمعنا اللّه في المألف الكريم ، وأحلّنا بمحل غير ذميم ، بأعلى يد نالت آمالها ، ووافت المطالب في أوطانها ، ولم تقابل بابا مغلقا إلا قرعته ، ولا حجابا مضلعا إلا رفعته ، ولا جدّا عاثرا إلا أقالته ، ولا أملا غائرا [ 7 ] إلا أسالته
هامش
[ 1 ] فيه إشارة إلى قول امرئ القيس : « وواد كجوف العير قفر قطعته » .
[ 2 ] ب م : الشقل .
[ 3 ] ب م : الجلل .
[ 4 ] الميداني 1 : 21 ، والعسكري 1 : 31 ( أبو الفضل ) .
[ 5 ] الميداني 2 : 156 ، والعسكري 2 : 287 ( أبو الفضل ) .
[ 6 ] ب م : مسهد .
[ 7 ] ب م : عابرا .