وادّعى كل واحد منهما أنّ الفوز لقدحه ، وأنّ الوري لقدحه ، وأنّ الدرّ من أصدافه ، وأن البكر من زفافه ، وأنّ البناء من تشييده ، وأنّ الملاء من تعضيده ، وأنّ كباء الثّناء / موقوف على مجامره ، وأن خطيب الفخر محبوس على منابره ، وأنّ حلل المآثر من نسيجه ، وأنّ أفراد المفاخر من تزويجه . وحين كشف الجدال قناعه ، ومدّ الخصام ذراعه ، وهزّ الإباء من عطفه ، وأشمّ الآنف من أنفه ، قاما يتباريان في المقال ، ويتساجلان في الخصال ، ويصف كل واحد منهما جلال نفسه ، ويذكر فضل ما اجتنى من غرسه ، ويبأى بمنقبة نافرت السّها ، ومرتبة ريضة خيّسها [ 1 ] ، ورئاسة من ذوائب الجوزاء صادها ، ونباهة في صهوة العيّوق أفادها .
فقال ( القلم ) : ها ، اللّه أكبر ! أيّها المسائل بدءا يعقل لسانك ، ويحيّر جنانك ، وبديهة تملأ سمعك ، وتضيّق ذرعك . خير الأقوال الحقّ ، وأحمد السّجايا الصدق .
والأفضل من فضّله اللّه عزّ وجلّ في تنزيله ، مقسما به لرسوله ، فقال :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
( القلم : 1 ) ، وقال :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
( العلق : 3 - 4 ) فجلّ من مقسم ، وعزّ من قسم ، فما تراني ، وقد حللت بين جفن الإيمان وناظره ، وجلت بين قلب الإنسان وخاطره ؟ لقد أخذت الفضل برمّته ، وقدت الفخر بأزمّته .
فقال السّيف : عدنا من ذكر الطبيعة إلى ذكر الشريعة ، ومن وصف الخصلة إلى وصف الملة ، لا أسرّ ولكن أعلن ، قيمة كلّ امرئ ما يحسن . إنّ عاتقا حمل نجادي لسعيد ، وإنّ عضدا بات وسادي لسديد ، وإنّ فتى اتّخذني دليله لمهديّ ، وإنّ امرأ صيّرني رسيله لمفديّ ؛ يشق مني الدجى بمصباح ، ويقابل كلّ باب بمفتاح . أفصح والبطل قد خرس ، وأبتسم والأجل قد عبس ؛ أقضي فلا أنصف ، وأمضي فلا أصرف ؛ أزري بالوفاء ، وأهتك اللأمة هتك الرّداء .
فقال القلم : نعوذ باللّه من الحور بعد الكور [ 2 ] ، وقبحا للتحلّي بالجور .
و ( الخيانة ) تسوّد ما بيّض الصّفاء ، وتكدّر ما أخلص الإخاء ، وتؤكد أسباب الفتن ، وتضرب بقداح الفتن . الحق أبلج ، والباطل لجلج ، إن ( تأبى النصفة ) فإنها [ 3 ] في قدحها لمأمونة الطائر ، محمودة الباطن والظاهر . أحكم فأعدل ، وأشهد فأقبل ؛ وترحل عزماتي شرقا / وغربا ولا أرحل ؛ أعد فأفي ، وأستكفي فأكفي ، أحلب الغنى من
هامش
[ 1 ] خيسها ، ذللها .
[ 2 ] الحور بعد الكور : النقصان بعد الزيادة .
[ 3 ] ب م : فإن .