مديلها ، ونخوة الباطل مزيلها ، ورسوم [ 1 ] الغباوة محيلها ، وقداح البلاغة مجيلها ؛ ورفعت لي سجوف الأماني ، عن الملك اليماني ، غرّة كندة التي تضحك عنها ، وهضبة تجيب التي تأوي إليها ، أبي الأحوص معن بن محمّد ، أيّده اللّه كما أيّد الحقّ ، وصدقه وعده كما أحيا الصّدق ، فوصلت به سببي ، ولويت بقوى أطنابه طنبي ، ورأيت به للحلم جبلا موطودا ، وللدّيانة ظلا ممدودا ، وللتقوى حبلا مشدودا ، وللعلم بحرا طموحا ، وللأدب [ 2 ] روضا مجودا / مروحا . ولم يزل - لا زلّت به النعل - منذ اعتصمت بحرمته [ 3 ] ، واعتزيت إلى خدمته ، يقبل عليّ في مجالسه المأنوسة باللّحظ واللّفظ ، ويكسبني بمنازعة الأدب شرف المرتبة والحظ ، فأتمرّن على تثقيفه وتقويمه ، وأتضمّر عن رياضته وتعليمه ، وتلزّني هيبة كماله ، وروعة جلاله ، إلى شحذ سجاياي ، وجمع قواي ، واجتناب الخطل في إيوانه ، والزّلل في ميدانه ، فلا ترى شيئا أشبه به في التّفضل ، وبي في التّقبل ، من قول حبيب [ 4 ] :
نرمي بأشباحنا إلى ملك * نأخذ من ماله ومن أدبه
والبلاغة وإن كانت من فنون العلم أرقّ ما استرقّ ، وألطف ما غرف [ 5 ] ، وأيسر ما به حاضر [ 6 ] ، وأقلّ ما أملّ ، وأوهن ما خزن ، وأدنى ما اقتنى ، فله كلف بانتقادها شديد ، وصوت في معرفة نقادها بعيد . وقد خلّص بيمينه العالية جوهر الكلام من أخباثه ، وممرّ القول من أنكاثه ، في غير ما كتاب منتم إلى البلاغة ، معلم في الكتابة ، فجاء بالصواب حاسرا ، وبيان الحقيقة سائرا ، وفي هذا النقد سقط العشاء بمن سقط على السّرحان ، وفيه أساء من أحسن بنفسه الظنّ في الإحسان [ 7 ] .
/ ومن هذا الباب تولّجت إلى صنعة هذا الكتاب ليرى - أيده اللّه - كيف نبت كلامي على سقيه ، ونما ما أودع تربة قبولي من غرسه . فإنّي ضمّنته ، في فنون من البلاغة
هامش
[ 1 ] ب م : ورسم .
[ 2 ] ب م : وللآداب .
[ 3 ] ب م : بعصمته .
[ 4 ] ديوان أبي تمام 1 : 276 .
[ 5 ] ط : عرف .
[ 6 ] ب م : ما حضر .
[ 7 ] ب م : الإنسان ؛ والإشارة إلى قول أبي تمام :ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن * هو بابنه وبشعره مفتون