ورفع أعلامها ، وأصبح إمامها ، وزيّن أيّامها ، وركب وسط مساقها ، وأحرز قصب سباقها .
وفي فصل منه :
فإنّي وافقت أوّل معالجتي لهذه الصّناعة آخر أيّامه ، وأوان بتات عمره وانصرامه ، خلا أنّه - عفا اللّه عنه - ولمّا يحلّ المقدور به ، قد كان أقبسني مصابيح من وصاياه فيها ، ووطأ لي مراكب من دلائله [ 1 ] إليها ، وضرب لي صوى من هداياته [ 2 ] نحوها ، أفاد اللّه بها نفعا ، وأوسع معها إرشادا . ثم إنّ الأيّام إثر مصابه ، وبعد ذهابه ، باكرتني صروفها ، وشغلتني برقع خروقها ، ومكابدة ضيقها ، وسوق الأدب قد كسدت ، وجمرة السلطان قد همدت ، والعيّ أمضى من البيان ، والإساءة أحمد [ 3 ] من الإحسان ؛ وأقلامنا يومئذ في عطلة ، ومحابرنا في عقلة [ 4 ] ، وكتبنا تحت موجدة ، وحينئذ قلت :
قرعنا بالكتابة باب حظّ * لندخله فزاد لنا انغلاقا
فلم تبلغ بلاغتنا مناها [ 5 ] * ولا مدّ المداد لنا ارتفاقا
ولا راحت تقرطس بالأماني * قراطيس أجدناها مساقا
وقلّمت المطالب من حداها * لنا أقلامنا ساقا فساقا
فلا هطلت على الآداب مزن * ولا برحت أهلّتها محاقا
وعوّضنا بما ندريه جهلا * لعلّ السّوق مدركة نفاقا
فما زلنا مع الخطوب مساجلين ، ولصروف الأيّام مناضلين ، فيوم لنا ويوم علينا [ 6 ] . حتى إذا أراد اللّه أن يحيي لهذه الصّناعة رسما ، ويعيد لها دولة واسما ، ويرفع سائر العلوم من التّخوم إلى النجوم ، وفنون الآداب [ 7 ] من التراب إلى السّحاب ، طرف جفن السّعد الباهت ، وارتد نفس الجد الخافت ، ولقي عثرة العلم مقيلها ، ودولة الجهل
هامش
[ 1 ] ط : الأبلة .
[ 2 ] ط : طول من مداد أية .
[ 3 ] ب م : أدهى .
[ 4 ] ب م : غفلة .
[ 5 ] ب : ثواء .
[ 6 ] فما زلنا . . . علينا : سقط من ط ؛ وموضعه ؛ « وفي فصل منها » .
[ 7 ] ط : الأدب .