تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
واسطة السّلك ، وقطب رحى الملك ، بالحضرة العظمى قرطبة ، وقد تقدم من أخباره المأثورة ورسائله المشهورة في أخبار سليمان ، وغيره من ملوك بني أبي عامر وبني مروان ، أول ما يشهد أن آل برد جمهور كتابة ، ومحور خطابة ، وقد فخر أبو حفص هذا بذلك في كتابه الموسوم ب « سرّ الأدب وسبك الذّهب » من أرجوزة يقول فيها :
يا طالب الدنيا بأقصى الجهد * اسع بجد منك لا بكد من شاء خبري فأنا ابن برد * حدّ حسامي قطعة من حدي وأرفع النّاس بناء جدّي * من نظم الألفاظ نظم العقد ونقد الكلام حقّ النّقد * وكفّ بالأقلام أيدي الأسد به استضاء في الخطوب الربد * كلّ إمام ووليّ عهد

فصول مقتضبة من كتابه المذكور

قال في صدره : أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى - وله الحمد - جعلنا أهل بيت أشرب حبّ صناعة الكلام نفوسهم ، وشغل بطلب البيان والتّبيين قلوبهم ، فغذانا بالبحث عن الأصول ، على حسب ما وهب اللّه تعالى لنا من المعرفة ، وسهّل علينا من الخزونة ، حتى عرفنا المقسوم لنا منها فتفقّهناه ، وفهمنا المنعم به علينا فأحكمناه ، ثم انعطفنا على الفروع فذهبنا مع فنونها ، واستكثرنا من عيونها . ثم إنّا لمّا رأينا أنّ الأصول قد اخترناها زاكية المنابت طيّبة المغارس ، وأنّ الفروع قد لويناها لدنة الأفنان عذبة ( الجنى ) ، ترامت بنا آمالنا إلى أن نجتني من زهرتها ونطعم من ثمرتها ، فرأينا أن نمد [ 1 ] يدا إلى غرس قد أبرناه ، حتى بلغ إناه ، فنقطف من خياره ، ونتأنّق في اختياره . . . وأصبحنا بعد نرمي أغراض الكلام بأسهم أزّرها التسديد ، ونعقل [ 2 ] مناظم القول بألسن برئ منها التّعقيد ، ونذيب [ 3 ] من المنثور جداول النّطاف ، ونجمد / من المنظوم جواهر الأصداف . وكان جدّي أحمد بن برد - رحمه اللّه - بطول ممارسته لهذه الصناعة ، برخاء اللبب والنهمة في الطّلب ، ودعة الزّمان وإقبال السلطان ، ومسافة العمر [ 4 ] الممتدّة له ، قد اقتعد سنامها ،
هامش
[ 1 ] من أول الفصل لم يرد في ط ؛ وفي موضعه : « فرأينا أن نمد . . . » . [ 2 ] ط : ونعقد . [ 3 ] ب م : ونرتب . [ 4 ] ب م : ومناقبه الغر .