تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
البلاد بأمان الأحمر والأسود وتخلية الناس لشأنهم ، وبراءة الذّمة ممّن تسوّر على أحد . وقرّر الفتية الثّلاثة التي فتكت بأخيه فأقرّوا بجريمتهم ، ونفوا عن جميع الناس المواطأة [ 1 ] والتدليس ، فقتلهم القاسم لوقته ، وأطفأ النائرة بولايته . وتنسّم الناس روح الرّفق ، وباشروا ظلّ الأمن ، واطمأنّت بهم الدّار . وأمر بإسقاط رسم التّقرية [ 2 ] ، وأظهر البراءة منها ، وأقصى السعاة وطردهم ، وأقرّ القاضي والحكّام والخدمة على منازلهم . وزاد كلف القاسم في اتّخاذ السودان ، وقوّدهم على أعماله ، إلى أن ضعف أمره ، وتسلّط البرابرة عليه حتى احتقروه . فكاتب منذر بن يحيى في السّرّ يبثّه شأنهم ، ويستنهضه لتقويمهم ، فلم يكن فيه فضل لذلك . وكان يحيى ابن أخيه عليّ بالعدوة ، وأخوه إدريس بمالقة ، فلما قتل أبوهما عليّ اتّفقا لأوّل وقتهما على ضبط مالقة وشدّ سلطانها ، إلّا أنهما أظهرا مبايعة عمّهما القاسم ، إلى أن انكشف له يحيى من أول سنة عشر وأربعمائة ، وانتقل إلى مالقة وجعل أخاه بالعدوة ليقرب هو من أذى عمّه القاسم ، فحلّ بالأندلس / لأوّل وقت جواز يحيى شواظ من نار ، وأضرمها سعيرا ، واستخفّ بعمّه ، وضمّ [ 3 ] الرجال وسعى لتبديد شمل عمّه . وشكا القاسم أمره إلى البرابرة فتثاقلوا عنه [ 4 ] ، وأحبّوا التّضريب بينهما . ولم يزل أمر يحيى يقوى ، وأمر القاسم يضعف ، فلم يجد مخرجا مما وقع فيه إلا الهرب من دار الخلافة والانقلاب إلى عمله بإشبيلية ؛ وكان يكثر الندم على ما دخل فيه من سلطانهم إلى أن عيل صبره ، ففر [ 5 ] من قرطبة إلى عمله بإشبيلية في خمسة فوارس من خاصته ، وذلك ليلة السبت لثمان خلت لربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة ، اتخذ الليل جملا ولم يعلم بخبره إلا عند الصباح . فضبط البربر قصر قرطبة إلى أن لحق يحيى ابن أخيه بعد خطوب ، فبويع يحيى في التاريخ ، واجتمع عليه الفريقان : الأندلس والبرابرة من أهل قرطبة وأعمالها خاصّة . وكانت أمّ يحيى لبونة بنت محمد بن الأمير حسن ابن القاسم الملقب بقنون ، فعرف يحيى بكرم الولادة لمّا جاء هاشميّ الأبوين [ 6 ] ، رابع أربعة من أبناء القرشيّات من خلائف الإسلام ؛ أوّلهم جدّه الأكبر
هامش
[ 1 ] ط : المواطات . [ 2 ] البيان : التقوية . [ 3 ] م : واستضم . [ 4 ] م : عليه . [ 5 ] ط : وأمر القاسم يضعف إلى أن فر . [ 6 ] م : الطرفين .