وكان حبّوس هذا أحد نابي [ 1 ] برابرة الأندلس اللذين يفتّرون عنهما [ 2 ] ، لم يبق بعده يومئذ ، سوى محمد بن عبد اللّه نظيره ، من ترهب له شذاة . وكان على قسوته يصغي إلى الأدب ، وينتمي في العرب ، للأثر المقفوّ في قومه صنهاجة . وكان يؤثر لذلك « كتاب التّيجان » لابن دريد [ 3 ] في ذكر مناقبهم ، ولا يغبّ سماعه ومطالعته . وكان وقورا حليما ، فظّا مهيبا ، نزر الكلام ، قليل الضحك ، كثير [ 4 ] الفكر ، / شديد الغضب ، غليظ العقاب [ 5 ] ، شجاعا حسن الفروسية ، جبارا متكبّرا داهية ، واسع الحيلة ، كامل الرجولية [ 6 ] ، له في كلّ ذلك أخبار مأثورة [ 7 ] .
أخبرني أبو الوليد ابن زيدون قال : سأل حبّوس يوما محمد بن عبد اللّه في بعض التقائهما عن سنّه بمعراض فقال : ابن كم كنت يوم قتل ابن الخير [ 8 ] ؟ فأجابه مسرعا :
كنت يوم قتل زيري بن مناد يفعة ، وشهدت وقعته مع قومي ابن كذا . فتبسم حبّوس ، وعجب من حضر من فطنتهما . وإنما أراد حبّوس تعيير ابن عبد اللّه بمقتل ابن الخير سلطان زناتة المصاب في وقعة صنهاجة ، فعارضه ابن عبد اللّه بذكر وقعتهم بجدّ حبّوس زيري بن مناد . فلو كانا في الرّعيل الأول من أذكياء العرب ما زادا على ما أتيا به .
وقد أعاد عليّ ولد ابن عبد اللّه أيام لقيته بقرطبة عن والده محمد بن عبد اللّه بألطف من هذا التّعريض ، مكتفيا باسم الموضعين عن ذكر اسم الرجلين ، فقال : قال حبّوس لوالدي يوما : أشهدت يوم تلمسان ؟ فقال له والدي : لا ، أوّل مشاهدي يوم كرض ؛ ويوم تلمسان يوم الخير وزناتة ، ويوم كرض يوم زيري وصنهاجة . فلم يزد
هامش
[ 1 ] ط : نائي ؛ ب س : نائبي ، وصوبته بحسب المعنى .
[ 2 ] ب س : يفترقون عنهما ؛ والنابان أحدهما حبوس والثاني هو محمد بن عبد اللّه البرزالي ؛ وافتر عن نابه :
كشف عنه .
[ 3 ] كذا في ب س دون ط ، والمشهور أن التيجان لوهب بن منبه ، غير أن هذا لا يمنع أن يكون لابن دريد كتاب بهذا الاسم .
[ 4 ] ب س : طويل .
[ 5 ] س : الحجاب .
[ 6 ] ط : الرجولة .
[ 7 ] ب س : مشهورة .
[ 8 ] محمد بن الخير بن خزر الزناتي خاض حربا ضد صنهاجة بقيادة زيري فقتل زيري ، ثم إن يوسف بن زيري أراد الثأر من زناتة وغلب محمد بن الخير وهزمه ( سنة 360 ) وحين وجد محمد أن يوسف قد أحاط به انتحر ( البيان المغرب 2 : 243 ) .