ولهول ما عاينه زاوي من اقتدار أهل الأندلس في تلك الحرب وجعجاعهم به ، وإشرافهم على التغلب عليه ، ما هان سلطانه عنده بالأندلس وعزم على الخروج عنها نظرا في عاقبة أمره [ 1 ] ، ودعا جماعة قومه مستنصحا فعصوه في ذلك ، لظنهم بطيب معيشتهم بالأندلس ، فلم يثنه ذلك عن عزمه ، وركب هو البحر بماله وأهله فلحق بإفريقية وطنه .
فكان من أغرب الأخبار في تلك الدّولة الحمودية انزعاج ذلك الشيخ الباقعة زاوي ابن زيري عن سلطانه ، ولفظه لما كان يلوكه من فلذة كبد الأندلس ، / أرض ألبيرة ، بأثر الفتح العظيم الذي أتيح له على المرتضى ومن كان معه من عساكر أهل الأندلس . فأخذ في عبور البحر حين صفا العيش واخضرّ عوده ، ووقم العدوّ وفلّ غربه ، فصمّم في الرّحيل بعد أن استأذن صاحب إفريقية يومئذ المعزّ بن باديس ابن عمه ، في ذلك ، فأذن له ، وحرص جميع بني عمّه بالقيروان على رجوعه لهم لحال سنّه ، وتعرّيهم يومئذ عن مثيله من مشيختهم لمهلك جميع إخوتهم ، وحصوله هو قعدد بني مناد ، الغريب شأنه ، في ألّا يحتجب عنه من نسائهم زهاء ألف امرأة في ذلك الوقت ، هنّ - زعموا - محرم له من بنات إخوته وبناتهن وبني بنيهنّ . فرحل عن الأندلس سنة عشر وأربعمائة ، واستقلّت به سفنه من مرسى المنكّب ، وفي شحنتها من ذخائر الأندلس ما يفوت الإحصاء كثرة لعظيم ما خمسه [ 2 ] أيام الفتنة . فاجتمع شمله بالقيروان ، وأقرّه المعزّ في دولته وكنفه . إلا أنّه لم يؤثره ولا أناف بمحلّه ولا قلّده ولا واحدا من ولده شيئا من عمله [ 3 ] ، بل وكلهم إلى سحتهم [ 4 ] .
قال ابن حيان : وحدّثت عن السبب المزعج كان لزاوي يومئذ في ارتحاله ، وذلك أنه لما انهزم المرتضى قال زاوي لقومه : كيف رأيتم ما قد خلصنا منه ؟ قالوا : عظيما ، قال : فلا تتناسوه وتغالطوا أنفسكم بعده ، إنّ انهزام من رأيتموه لم يكن عن قوّة منّا . إنما جرّه مع القضاء غدر ملوكهم لسلطانهم ليهلكوه كما فعلوا ، فإني عرفت ذلك من يوم نزولهم ، ولذلك ما كنت أقوّي نفوسكم ، وقد نجّانا اللّه منهم برحمته ، ومضى / القوم ولم يعدموا إلّا رئيسهم ، واستخلافه هيّن عليهم ، ولست آمن عودهم جملة إليكم فيما
هامش
[ 1 ] زاد في س : فتجدد لذلك أثر الفتح عليه ، ( اقرأ : فتحدث بذلك . . ) .
[ 2 ] البيان : حازه ؛ ط : قشمه ( اقرأ : قسمه أو قمشه ) .
[ 3 ] ب س : أعماله .
[ 4 ] ط : محنهم .