تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
بعد ، فلا يكون لنا قوام بهم ، فالرأي الخروج عن أرضهم ، واغتنام السّلامة مع إحراز الغنيمة ، والرجوع إلى الجملة التي انفصلنا عنها كانفين للعيال والذّريّة ، مباعدين لهم لما وراءنا من أهل جنسنا [ 1 ] زناتة ، الأعداء في الحقيقة ، الذين لا يغفلون عنّا وإن غفلت الخليقة ، لا سيما وقد قرفنا قرحهم ، ونبشنا أحقادهم المدفونة . فإن فرغوا لنا على قلّة عددنا ، وظاهروا علينا الأندلس وقعنا منهم بين لحيي أسد فاصطلمونا ، وها أنا قد أدّيت لكم النصيحة وأنا راحل عن الأندلس ، فمن أطاعني فليرحل معي . فلم يساعده أحد ، فرحل كما وصفناه . وبلغني أن حلالي بن زاوي تلوّم بغرناطة [ 2 ] ، بعد حصول والده بالمنكّب ، أياما لتتميم لباناته [ 3 ] ، وقد دبّر مع الراحلين من بني عمّه القبض على قاضي البلد ابن أبي زمنين والمشيخة من أهله إذا رجعوا من تشييع أبيه ليأخذ أموالهم . فاهتدى ابن أبي زمنين لتدبيره ونكّب عن المنكّب إلى حبّوس ، وكان متوقّفا بحصن آش يرتقب ركوب عمّه البحر فيلحق بغرناطة ، فكان ذلك كذلك . فركب مع ابن أبي زمنين وقد خوّفه بوائق الإبطاء ، فلم تشعر صنهاجة حتى أطلّ عليهم قارعا طبوله ، فخرجت صنهاجة تستقبله ووقف ابن عمّه حلالي بباب البلد حائرا قد فسد تدبيره على ابن أبي زمنين ، ولم يعرّج حبّوس عليه حتى صعد إلى قصبة غرناطة فضبطها وحطّ رحله فيها . ثم خرج إلى ابن عمّه حلالي ليودّعه ، / فعاتبه حلالي في اقتحامه عليهم وقال له : الفوت خفت أبا مسعود في بدارك ؟ ! أهذا دخول مكتئب بفراق عشيرته ؟ ! هو بدخول شامت أشبه ! ! كأنك فتحت بلدا وطردت عدوّا ؟ ! فاعتذر له حبّوس ، وقال : ما ذاك إلا لرسم الإمارة ، وإرهاب الرعيّة . ثم استوطن حبّوس البلد وأورثه عقبه . قال ابن حيان : وبلغني أنّ زاوي استوهب عليّ بن حمّود ، يوم قتل سليمان بن الحكم رأسه ، حنقا على بني مروان المهدى إليهم رأس زيري والده ، وأنّه أسعفه بذلك ، فصار عنده ، ونقله من الأندلس معه في ذلك الوقت مفتخرا به على أهل بيته . فإن يكن ذلك حقا فزاوي أكبر من أدرك الثأر المنيم ، ورحض العار المقيم . وأخبار هذا الداهية زاوي كثيرة ، ونوادر أفعاله مأثورة .
هامش
[ 1 ] س ط : جنه . [ 2 ] ط : وتلوم ابنه حلالي بغرناطة . [ 3 ] ب س : حاجاته .