تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
والوجوه من أهله قد تناغوا بالبشارة ، وجاءوا مجيء من لا يشكّ في الظفر ، فساقوا مع أنفسهم رفيع الحلية كي يتباهوا بذلك إذا دخلوا قرطبة ، حتى إن كثيرا من جاليتها والتجار المتجهزين منهم ومن سواهم اغتروا بذلك العسكر الحاوي فصحبوه مبادرين ميسرة الفتح ، وسعة الربح ، فخابوا وحاق البغي بهم ، وخسروا أموالهم . وأول من انهزم من ذلك العسكر منذر بن يحيى وخيران الصقلبي . وكان منذر قد أوقع في نفوس مدده من رجال الإفرنجة الذعر من غدر الموالى العامريين ، فشغل بذلك بالهم . فلمّا انهزم لم يعرفوا السرّ ، وأجفل منذر في أصحابه الثغريين ، فمرّ بسليمان بن هود صاحبه وهو مثبّت للإفرنجة لا / يريم موقفه . فصاح به : النجاة يا ابن الفاعلة ، فلست أقف عليك ؛ فقال له سليمان : جئت واللّه بها صلعاء ، وفضحت أهل الأندلس ! ثم انقلع وراءه ببقية عسكره ، وانقلع أيضا خيران برجاله . وصبر الموالى العامريون قليلا حول صاحبهم المرتضى ، على أحرّ من جمر الغضا ، وهو مع جبنه حسن الثبات ، حتى استحرّ القتل في أصحابه ، وصرع كثير منهم حوله ، فانكشفوا عنه ، وخاف أن يقبض عليه فولّى ، فوضع عليه خيران عيونا لئلا يخفى أثره ، فلحقوه بقرب وادي آش وقد أمن على نفسه ، فهجموا عليه وقتلوه ، وجاءوا برأسه إلى خيران ومنذر ، وقد لحقا بالمريّة ، فتحدّث الناس أنهما اصطبحا على رأسه سرورا بمهلكه ، وتناولاه من الذكر عبثا بما لم يكن أهلا له ، وجعلا يقولان : يا أحيمق [ 1 ] قم فاعرض جندك ؛ كلمة تحدّث بها عنهما جرأة على اللّه ونكثا لعهوده . ففقد المرتضى على هذه السّبيل ، ونجا من تلك الملحمة أخوه أبو بكر ابن هشام ، ولحق بالموالي العامريّين فزهدوا فيه ، فاستقرّ عند ابن القاسم صاحب حصن البونت [ 2 ] ، وكان شيعة المروانيّة على سوء ما أسلفوه في سلفه ، فأجاره وضيّفه ، ولم يزل مقيما عنده إلى أن كان من تقديمه للخلافة ما كان . قال ابن حيان : فحلّ بهذه الوقعة على جماعة من الأندلس مصيبة سوداء أنست ما قبلها ، ولم يجتمع لهم على البربر جمع بعد ، وأقروا بالإدبار ، وباءوا بالصّغار . وورد على القاسم بقرطبة كتاب زاوي بشرحها مع نصيبه من الغنيمة ، / وفي جملتها سرادق المرتضى . فضربه القاسم على نهر قرطبة وغشيه من النّظّارة جملة من علية الناس ، وقلوبهم تتقطّع حسرة منه ؛ فركدت ريح المروانيّة من ذلك الوقت
هامش
[ 1 ] البيان : يا حسن ؛ ط س ب : يا أحيمر . [ 2 ] ط والبيان : البنت .