تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
والأشعار ، بما اتّصلت به أو قيلت فيه من الوقائع والأخبار ؛ واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة فشرحت بعض محنها ، وجلوت وجوه فتنها ، ولخّصت القول بين قبيحها وحسنها ؛ وأحصيت علل استيلاء طوائف الرّوم ، على هذه الأقاليم ، وألمعت بالأسباب التي دعت ملوكها / إلى خلعهم ، واجتثاث [ 1 ] أصلهم وفرعهم ؛ وعبّرت عن أكثر ذلك ، بلفظ يتتبّع الهمّ بين الجوانح ، ويحل العصم سهل الأباطح [ 2 ] ؛ وعوّلت في معظم ذلك على تاريخ أبي مروان بن حيّان ، فأوردت فصوله ونقلت جمله وتفاصيله ؛ فإذا أعوزني كلامه ، وعزّني سرده ونظامه ، عكفت على طللي البائد ، وضربت في حديدي البارد ، على حفظ قد تشعب ، وحظ من الدنيا قد ذهب . ومع أن الشّعر لم أرضه مركبا ، ولا اتّخذته مكسبا ، ولا ألفته مثوى ولا منقلبا ؛ إنّما زرته لماما ، ولمحته تهمّما لا اهتماما ؛ رغبة بعزّ نفسي عن ذلّه ، وترفيعا لموطئ أخمصي عن محلّه ؛ فإذا شعشعت راحه [ 3 ] ، ودأبت أقداحه ، لم أذقه إلّا شميما ، ولا كنت إلّا على الحديث نديما [ 4 ] ؛ وما لي وله ، وإنما أكثره خدعة محتال ، وخلعة مختال ؛ جدّه تمويه وتخييل ، وهزله تدليه وتضليل ؛ وحقائق العلوم ، أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم ؛ وعلى ذلك فقد وعدت أن ألمع في هذا المجموع ، بلمع من ذكر البديع ؛ وأن أمهّد جانبا من أسبابه ، وأشرح جملا من أسمائه وألقابه ؛ وإذا ظفرت بمعنى حسن ، أو وقفت على لفظ مستحسن ؛ ذكرت من سبق إليه ، وأشرت إلى من نقص عنه ، / أو زاد عليه ؛ ولست أقول : أخذ هذا من هذا قولا مطلقا ، فقد تتوارد الخواطر ، ويقع الحافر حيث الحافر ؛ إذ الشّعر ميدان ، والشعراء فرسان . وعلم اللّه تعالى أنّ هذا الكتاب لم يصدر إلّا عن صدر مكلوم الأحناء ، وفكر خامد الذّكاء ، بين دهر متلوّن تلوّن الحرباء ؛ لانتباذي كان من [ 5 ]
هامش
[ 1 ] ط : أو شنات . [ 2 ] من قول المجنون ( الأغاني 2 : 73 ) :وأدنيتني حتى إذا ما سبيتني * بقول يحل العصم سهل الأباطح[ 3 ] ط : تشعشعت رائحته . [ 4 ] من قول أبي نواس ( ديوانه : 325 ) :أيها الرائحان باللوم لوما * لا أذوق المدام إلا شميما فاصرفاها إلى سواي فإني * لست إلا على الحديث نديما[ 5 ] ط : لانتباذ من .