تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
من / أمرّ به [ 1 ] من أهل الأمصار ، فأجدهم درجات في الغباوة وقلّة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد ، حتّى كأنّ منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصّة [ 2 ] ومقايسة . قال أبو علي : فقلت : إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم ، بقدر نقصان هؤلاء عمّن قبلهم ، فسأحتاج إلى ترجمان ، بهذه الأوطان . قال ابن بسّام : فبلغني [ 3 ] أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجّب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمفاتشة ، ويقول لهم : إنّ علمي علم رواية ، وليس بعلم دراية ، فخذوا عني ما نقلت ، فلم آل لكم صحّحت . هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات ، والأخذ عن الثقات ؛ ولولا أن كلّ معنى معترض ، يزيح سهمي عن ثغرة الغرض ، المقصود في هذا الكتاب ، لأوردت في هذا الباب ، بعض ما وقع لأهل الأندلس من عجب ، وسمع لهم من نادر مستغرب . وسيمرّ منه في تضاعيف هذا التصنيف ما فيه كفاية ، ويربي إن شاء اللّه على الغاية . ولعلّ بعض من يتصفّحه سيقول : أنّي أغفلت كثيرا ، وذكرت خاما وتركت مشهورا . وعلى رسله ، فإنّما جمعته بين صعب قد ذلّ ، وغرب قد فلّ ، ونشاط قد قلّ ، وشباب ودّع فاستقلّ ؛ من تفاريق كالقرون الخالية ، وتعاليق كالأطلال البالية ، بخط جهّال كخطوط الرّاح [ 4 ] ، أو مدارج النمل بين مهاب الرياح ؛ ضبطهم تصحيف ، ووضعهم تبديل وتحريف ؛ أيأس الناس منها طالبها ، وأشدّهم استرابة بها كاتبها ؛ ففتحت أنا / أقفالها ، وفضضت قيودها وأغلالها ، فأضحت [ 5 ] غايات تبيين وبيان ، ووضحت آيات حسن وإحسان . على أنّ عامّة من ذكرته في هذا الديوان ، لم أجد له أخبارا موضوعة ، ولا أشعارا مجموعة ، تفسح لي في طريق الاختيار منها ، إنّما انتقدت ما وجدت ، وخالست في ذلك الخمول ، ومارست هنالك البحث الطويل ، والزمان المستحيل ، حتى ضمّنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق ، ما لعلي سأربي [ 6 ] به على أهل المشرق . وما قصدت به - علم اللّه - الطّعن على فاضل ، ولا التعصب لقائل على قائل ؛ لأنّ من طلب عيبا وجده ، وكلّ
هامش
[ 1 ] ط : يمر بي . [ 2 ] س ط : محاصاة . [ 3 ] ط : بلغني . [ 4 ] ط : الزواح . [ 5 ] ففتحت . . . وبيان ، لم يرد في ط . [ 6 ] ط : أربي .