شنترين [ 1 ] قاصية الغرب ، مفلول الغرب ، مروّع السّرب ، بعد أن استنفد الطريف والتّلاد ، وأتى على الظاهر والباطن النّفاد ، بتواتر طوائف الرّوم ، علينا في عقر [ 2 ] ذلك الإقليم ؛ وقد كنّا غنينا هنالك بكرم الانتساب ، عن سوء الاكتساب ، واجتزأنا بمذخور العتاد ، عن التّقلب في البلاد ؛ إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام ، ولو ترك القطا ليلا لنام [ 3 ] ، وحين اشتدّ الهول هنالك ، اقتحمت بمن معي المسالك ؛ على مهامه تكذّب فيها العين الآذان [ 4 ] ، وتستشعر فيها المحن :
مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه * ولا حملت فيها الغراب قوادمه [ 5 ]
حتى خلصت خلوص الزّبرقان من سراره ، وفزت فوز القدح عند قماره ؛ فوصلت حمص [ 6 ] بنفس قد تقطّعت شعاعا ، وذهب أكثرها التياعا ؛ وليتني عشت منها بالّذي فضلا [ 7 ] ! فتغربت بها سنوات أتبوّأ منها / ظلّ الغمامة ، وأعيا بالتحوّل عنها عيّ الحمامة ؛ ولا أنس [ 8 ] إلّا الانفراد ، ولا تبلّغ إلّا بفضلة الزاد ؛ والأدب بها أقلّ من الوفاء ، حامله أضيع من قمر الشّتاء ؛ وقيمة كلّ أحد ماله ، وأسوة كلّ بلد جهّاله ؛ حسب المرء أن يسلم وفره ، وإن ثلم قدره ، وإن تكثر فضّته وذهبه ، وإن قلّ دينه وحسبه . وهذا الدّيوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل ، وأمنيّة لم يكن منها حول ولا حول : كامن بين العيان والخبر ، كمون [ 9 ] النار في الحجر ، وجار بين اللّسان والقلب ، جري الماء في الغصن الرّطب ؛ إلى أن طلع على أرضها [ 10 ] شهاب سعدها وتمكينها ، وهبّت لها ريح دنياها ودينها ، ونفخ
هامش
[ 1 ] شنترين( Santarem )تقع في البرتغال على بعد 67 كيلومترا إلى الشمال الشرقي من لشبونة ؛ استولى عليها ألفونسو الخامس القشتالي سنة 485 فاضطر ابن بسام إلى الفرار عنها ( انظر : الروض المعطار ، الترجمة الفرنسية : 139 ، ومادة « شنترين » في الموسوعة الإسلامية ) .
[ 2 ] ط : قعر .
[ 3 ] هذا مثل ، انظر فصل المقال : 384 ، والميداني 2 : 82 .
[ 4 ] من قول المتنبي يهماء تكذب فيها العين والأذن ( ديوانه : 269 ) .
[ 5 ] البيت للمتنبي ( ديوانه : 248 ) والرواية فيه : مهالك .
[ 6 ] حمص : اسم يطلقه الأندلسيون على إشبيلية .
[ 7 ] من قول المتنبي ( ديوانه : 12 ) :حتى وصلت بنفس مات أكثرها * وليتني عشت منها بالذي فضلا[ 8 ] ط : أنيس .
[ 9 ] كمون : مكررة في ط .
[ 10 ] ط : الأرض .