فيها روح تأميلها وتأمينها ، ملك أملاكها ، وجذيل حكّاكها [ 1 ] ، وأسعد نجوم أفلاكها ؛ « فلان » [ 2 ] ثمال المظلوم ، ومال السائل والمحروم ؛ ومحيي العلم ، ومربع ذويه وحامليه ، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه ؛ جعل اللّه الدهر أقصى [ 3 ] أيامه ، والنجوم مراكز أعلامه ، والأرض نهبة سيوفه وأقلامه ؛ فحامت عليه أطيارها ، وأهلّ إليه حجّاجها وزوّارها ، وانتثرت في يديه شموسها وأقمارها ؛ من كلّ أشعث ذي طمرين ، مشنوء الأثر والعين ، محروم محسود ، محلأ عن طريق الماء مطرود ؛ قد جعلوا بيوتهم قبورا ، واتّخذوا بنات أفكارهم ولدانا وحورا ، وركبوا الحدثان صعبا وذلولا ، وعاهدوا الحرمان ليبلنّه صبرا جميلا
فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا
/ [ الأحزاب : 23 ] .
فما هو إلا أن سطع لهم هذا الشّهاب ، وفتح بينهم وبين روح اللّه ذلك الباب ، حتى نفروا خفافا وثقالا ، وابتدروا بطاء وعجالا ؛ ينظرون بعيون لم ترو من ماء وجه كريم ، ويصغون [ 4 ] بآذان لم تأنس بنغمة صديق حميم ؛ قد كانوا يئسوا من هذا النشور
كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
[ الممتحنة : 13 ] فاسألهم أيّ جانب يمّموا ، وبأي جناب خيّموا ، وإلى أيّ ملك لباب أنجدوا واتّهموا ؛ ويا رحمتا لبحور أدب ، وصدور رتب ، كان نظمني وإيّاهم ودّ قديم ، ولفّ هواي بهواهم عهد كريم ، لا منسيّ ولا مذموم ؛ قد طال ما عاطيتهم أكؤس [ 5 ] الخمول ، على البكاء والعويل ؛ في أيام أوحش من توديع الشباب ، وليال أنكد من مناقشة الحساب ؛ ألّا يكونوا قد أخذوا على القضاء عهدا مسؤولا ، ومتّعوا بالبقاء ولو قليلا ؛ حتى يروا حظّ الأدب كيف نفق ، وعزّ الإسلام كيف اتّفق ، وشمل الجور كيف تصدّع وتفرّق ؛ ويا حسرتا ألّا ينشقّ عن حاتم ضريحه ، ويعاد في جسمه روحه ؛ فيرى أنّ الكرم بعده علم ، وأنّ علوّ الهمم بغيره بدئ وختم .
ولما سمعت صوت المهيب ، وتنسّمت ريح الفرج القريب ، ووجدت لسبيل التأميل مدرجا ، وجعل اللّه لي من ربقة الخمول مخرجا ؛ طالعت حضرته المقدّسة بهذا الكتاب
هامش
[ 1 ] ط : وجديد ؛ وهذا من قولهم : « هو جذيلها المحكك » ، يعني أنه يستشفى برأيه كما تستشفي الإبل الجربى بالاحتكاك بالجذل ، وهو عود ينصب لذلك الغرض .
[ 2 ] لم يسمه هنا ، ولعله سير بن أبي بكر الذي تولى إشبيلية في فترة تأليف الذخيرة ، أو لعله أبهم اسمه ليتمكن من تقديم كتابه إلى غير واحد من أمراء عصره ، فيثبت في كل نسخة اسما غير الذي أثبته في الأخرى .
[ 3 ] ط : أقصر .
[ 4 ] ط : ويمنحون .
[ 5 ] ط : أبوء من .