تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
يعمل باقتداره ، وبجهد اختياره ؛ وما أغفل أكثر مما كتب وحصّل ؛ والأفكار مزن لا تنضب ، ونجوم لا تغرب ؛ ومن يحصّل ما تثيره القرائح ، وتتقاذف به الجوانح ، وقد قال أبو تمّام [ 1 ] :
ولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت * حياضك [ 2 ] منه في العصور الذواهب ولكنّه صوب العقول إذا انجلت * سحائب منه أعقبت بسحائب
وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور ، لا ميدان بيان وتفسير . أورد الأخبار والأشعار لا أفكّ معمّاها ، في شيء من لفظها ولا معناها ؛ لكن ربما ألممت ببعض القول ، بين ذكر أجريه ، ووجه عذر أريه [ 3 ] ؛ لا سيّما أنواع البديع ذي المحاسن [ 4 ] ، الذي هو قيّم الأشعار وقوامها ، / وبه يعرف تفاضلها وتباينها ؛ فلا بد أن نشير إليه ، وننبّه عليه ؛ ونكل الأمر في كلّ ما نثبته ، ونردّ الحكم في كلّ ما نورده ، إلى نقد النّقدة المهرة ، وتمييز الكتبة الشّعرة ، الذين هم رؤساء الكلام ، وصيارفة النّثار والنّظام ؛ فأمّا من رين على قلبه ، وطبع بالجهل [ 5 ] على لبّه ، فقد وضعت عنّا وعنه ، كلفة الاعتذار منه . وقد كان في وقتي من فرسان هذا الشان ، من كان أجدر أن يجري بهذا الميدان ، ويعرب عمّا أعربت فيه [ 6 ] عن القوم بأفصح لسان ، يثير فيه المعاني من مرابضها ، وأشدّ عارضة يظهر بها الأغراض المقصودة في أجمل معارضها ؛ لكنّي بما أقدمت عليه ، وتصدّيت إليه ، كالنسيم دلّ على الصّبح ، والسّهم ناب عن الرّمح ؛ ولا أقول إنّي أغربت ، لكن ربما بيّنت وأعربت ؛ ولا أدّعي أنّي اخترعت ، ولكني لعلّي قد أحسنت حيث اتّبعت ، وأتقنت ما جمعت ، وتألفت عنن [ 7 ] الشارد ، وأغنيت عن الغائب بالشاهد ؛ وتغلغلت بقارئه بين النّظم والنّثر ، تغلغل الماء أثناء النّور والزّهر ؛ وانتقلت [ 8 ] من الجدّ إلى الهزل ، انتقال الضّحيان من الشمس إلى الظّل ، واستراحة البهير من الحزن إلى السّهل ؛ وتخلّلت ما ضممته [ 9 ] من الرسائل
هامش
[ 1 ] ديوان أبي تمام 1 : 221 - 222 . [ 2 ] قرت الحياض : جمعت الماء . [ 3 ] س : أوريه . [ 4 ] ط : التحاسين . [ 5 ] ط : بالحبل ( اقرأ : بالخبل ) . [ 6 ] ط : به . [ 7 ] ط س : عين . [ 8 ] ط س : ونقلته . [ 9 ] ط : ضمنته .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 23 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس