تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
بتلك الآفاق غراب ، أو طنّ بأقصى الشام والعراق ذباب ، لجثوا [ 1 ] على هذا صنما ، وتلوا ذلك كتابا محكما ؛ وأخبارهم الباهرة ، وأشعارهم السائرة ، مرمى القصيّة ، ومناخ الرذيّة [ 2 ] ، لا يعمر بها جنان ولا خلد ، ولا يصرّف فيها لسان ولا يد . فغاظني منهم ذلك ، وأنفت ممّا هنالك ، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري ، وتتبّع محاسن أهل بلدي وعصري ، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلّة ، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلّة ؛ مع كثرة أدبائه ، ووفور علمائه ؛ وقديما ضيّعوا العلم وأهله ، ويا ربّ محسن مات إحسانه قبله ؛ وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان ، وخصّ أهل المشرق بالإحسان ؟ . وقد كتبت لأرباب هذا الشان ، من أهل الوقت والزمان ، محاسن [ 3 ] تبهر الألباب ، وتسحر الشعراء والكتّاب . ولم أعرض لشيء من أشعار / الدولة المروانيّة ، ولا المدائح العامريّة ؛ إذ كان ابن فرج الجيّانيّ [ 4 ] قد رأى رأيي [ 5 ] في النّصفة ، وذهب مذهبي من الأنفة ؛ فأملى في محاسن أهل زمانه « كتاب الحدائق » معارضا ل « كتاب الزّهرة » للأصبهاني [ 6 ] ، فأضربت أنا عما ألّف ، ولم أعرض لشيء مما صنّف . ولا تعدّيت أهل عصري ، ممّن شاهدته بعمري ، أو لحقه بعض أهل دهري ؛ إذ كلّ مردّد ثقيل ، وكلّ متكرر مملول ، وقد مجّت الأسماع : « يا دار ميّة بالعلياء فالسّند » ، وملّت الطبّاع : « لخولة
هامش
الآراء ، فقيل فيه : كان حاطب ليل ، كما قيل فيه : قلّما نجد من يتقدمه ، وأنه كان من علماء الناس بالقرآن والفقه ( انظر : تهذيب التهذيب 8 : 351 - 356 ) . [ 1 ] ط : لحنوا . [ 2 ] الرذية : الناقة الهزيلة المتروكة التي لا تقدر أن تلحق بالركاب ؛ يعني أن أخبارهم وأشعارهم مطرحة منبوذة . [ 3 ] ط : محاسنا . [ 4 ] أبو عمر أحمد بن فرج الجياني ( - 360 أو حوالي 366 ) ؛ عرف بكتابه « الحدائق » الذي ألفه للحكم المستنصر ، وكان من مقدمي الشعراء في العهد الأموي ، وقد سجنه الحكم وصدرت عنه وهو في السجن أشعار كثيرة ( انظر : الجذوة : 97 ، والبغية رقم : 331 ، والمطمح : 79 ، والمغرب 2 : 56 ، والصلة : 11 ، واليتيمة 2 : 16 ، والوافي بالوفيات 8 : 34 ، ) وله أشعار في كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس . [ 5 ] ط : رأيا . [ 6 ] الأصبهاني صاحب كتاب الزهرة هو محمد بن داود الظاهري ، وكتابه الزهرة صنفه في عنفوان شبابه ( انظر : ابن خلكان 4 : 259 ، والفهرست : 217 ، وتاريخ بغداد 5 : 256 ، وطبقات الشيرازي : 175 ، والوافي 3 : 58 ) ، وقد نشر القسم الأول من كتابه بتحقيق نكل وطوقان ، بيروت 1931 ، كما نشر القسم الثاني بتحقيق الدكتورين إبراهيم السامرائي ونوري حمود القيسي ، بغداد 1975 .