ومنها :
خليليّ عوجا بارك اللّه فيكما * بدارتها الأولى نحيّ فناءها
فلم أر أسرابا كأسرابها الدّمى * ولا ذئب مثلي قد رعى ثمّ شاءها
ولا كضلال كان أهدى لصبوتي * ليالي يهديني الغرام خباءها
وما هاج هذا الشّوق إلّا حمائم * بكيت لها لمّا سمعت بكاءها
عجبت لنفسي كيف ملّكها الهوى * وكيف استفزّ الغانيات إباءها ؟
ولو أنّني أنحت عليّ أكارم * ترضّيت بالعرض الكريم جزاءها
ولكنّ جرذان الثّغور رمينني * فأكرمت نفسي أن تريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيت رابيا * بحاجة نفس ما حربت خزاءها
هززتك في نصري ضحى فكأنني * هززت - وقد جئت الجبال - حراءها
نقضت عرى عزم الزّمان وإن عتا * بعزمة نفس لا أريد بقاءها
فلمّا انتهيت تبسّم وقال : لنعم ما تخلّصت ! اذهب فقد أجزتك .
ثمّ انصرفنا وركضنا حتى انتهينا إلى شجرة غيناء ، يتفجّر من أصلها عين كمقلة حوراء . فصاح زهير : يا عتاب بن حبناء ، حلّ بك زهير وصاحبه ، فبعمرو والقمر الطّالع ، وبالرّقعة المفكوكة الطابع ، إلّا ما أريتنا وجهك ! فانفلق ماء العين عن وجه فتى كفلقة القمر ، ثمّ اشتقّ الهواء صاعدا إلينا من قعرها حتى استوى معنا [ 1 ] . فقال : حيّاك اللّه يا زهير ، وحيّا صاحبك ! فقلت : وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتّاب ؟ قال : حيائي من التحسن باسم الشعر وأنا لا أحسنه . فصحت : ويلي منه ، كلام محدث وربّ الكعبة ؛ واستنشدني فلم أنشده إجلالا له ، ثم أنشدته :
[ أبكيت إذ ظعن الفريق فراقها [ 2 ]
حتى انتهيت فيها إلى قولي ] :
إنّي امرؤ لعب الزّمان بهمّتي * وسقيت من كأس [ 3 ] الخطوب دهاقها
وكبوت طرفا في العلا فاستضحكت * حمر الأنام فما تريم نهاقها
هامش
[ 1 ] ط : إلينا .
[ 2 ] ديوان ابن شهيد : 217 .
[ 3 ] اليتيمة : خمر .