ثم قال لي زهير : من تريد بعده ؟ قلت : صاحب أبي نواس ، قال : هو بدير حنّة منذ أشهر ، قد غلبت عليه الخمر ، ودير حنة في ذلك الجبل . / وعرضه عليّ ، فإذا بيننا وبينه فراسخ . فركضنا ساعة ، وجزنا في ركضنا بقصر عظيم قدّامه ناورد [ 1 ] يتطارد فيه فرسان ، فقلت : لمن هذا القصر يا زهير ؟ قال : لطوق بن مالك ؛ وأبو الطبع صاحب البحتري في ذلك النّاورد فهل لك في أن تراه ؟ قلت : ألف هل ، إنه لمن [ 2 ] أساتيذي ، وقد كنت أنسيته [ 3 ] . فصاح : يا أبا الطّبع ، فخرج إلينا فتى على فرس أشعل ، وبيده قناة ، [ فقال له زهير : إنك مؤتمنا ، فقال : لا ، صاحبك أشمخ مارنا من ذلك لولا أنه ينقصه ؛ قلت : أبا الطّبع على رسلك ، إنّ الرّجال لا تكال بالقفزان . أنشدنا من شعرك ] . فأنشد :
ما على الرّكب من وقوف الرّكاب [ 4 ]
حتى أكملها ، ثم قال : هات إن كنت قلت شيئا ، فأنشدته :
هذه دار زينب والرّباب [ 5 ]
حتى انتهيت فيها إلى قولي :
وارتكضنا حتى مضى الليل يسعى * وأتى الصبح قاطع الأسباب
فكأنّ النجوم في الليل جيش * دخلوا للكمون في جوف غاب
وكأنّ الصّباح قانص طير * قبضت كفّه برجل غراب
ومنها :
وفتوّ سروا وقد عكف اللي * ل وأرخى مغدودن [ 6 ] الأطناب
وكأنّ النّجوم لمّا هدتهم * أشرقت للعيون من آدابي
يتقرّون جوز كلّ فلاة * جنح ليل جوزاؤه من ركاب
عن ذكري لمدلجيهم فتاهوا * من حديثي في عرض أمر عجاب
هامش
[ 1 ] ب س : ماء ورند ؛ والناورد هنا بمعنى « الميدان » ، وهي من الفارسية ومعناها : معركة ، قتال .
[ 2 ] ط : على أنه من .
[ 3 ] ط : أنيسه .
[ 4 ] ديوان البحتري : 83 وعجزه : « في مغاني الصبا ورسم التصابي » .
[ 5 ] ديوان ابن شهيد : 85 .
[ 6 ] المغدودن : المسترخي .