تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وأخذت في رثائه يوما في الحائر [ 1 ] ، وقد أبهمت عليّ أبوابه ، وانفردت فقلت :
تولى الحمام بظبي الخدور * وفاز الرّدى بالغزال الغرير
إلى أن انتهيت إلى الاعتذار من الملل الذي كان ، فقلت :
وكنت مللتك لا عن قلى * ولا عن فساد جرى في ضميري
فأرتج عليّ القول وأفحمت ، فإذا أنا بفارس بباب [ 2 ] المجلس على فرس أدهم كما بقل وجهه ، قد اتكأ على رمحه ، وصاح بي : أعجزا يا فتى الإنس ؟ قلت : لا وأبيك ، للكلام أحيان ، وهذا شأن الإنسان ؛ قال لي : قل بعده :
كمثل ملال الفتى للنعيم * إذا دام فيه وحال السرور
فأثبتّ إجازته ، وقلت له : بأبي أنت ، من أنت ؟ قال : أنا زهير بن نمير من أشجع الجنّ [ 3 ] . فقلت : وما الذي حداك إلى التصوّر لي ؟ فقال : هوى فيك ، ورغبة [ 4 ] في اصطفائك . قلت : أهلا بك أيّها الوجه الوضاح ، صادفت قلبا إليك مقلوبا ، وهوى نحوك مجنوبا . وتحادثنا حينا ثمّ قال : متى شئت استحضاري فأنشد هذه الأبيات :
وآلى زهير الحبّ يا عزّ أنه * إذا ذكرته الذاكرات أتاها إذا جرت الأفواه يوما بذكرها * يخيّل لي أنّي أقبّل فاها فأغشى ديار الذّاكرين وإن نأت * أجارع من داري هوى لهواها
وأوثب الأدهم جدار الحائط ثم غاب عنّي . وكنت أبا بكر متى أرتج عليّ ، أو انقطع بي مسلك ، أو خانني أسلوب ، أنشد الأبيات فيمثل لي صاحبي ، فأسير إلى ما أرغب ، وأدرك بقريحتي ما أطلب ؛ وتأكّدت صحبتنا ، وجرت قصص لولا أن يطول الكتاب لذكرت أكثرها ، لكنّي ذاكر بعضها . فصل : تذاكرت يوما مع زهير بن نمير أخبار [ 5 ] الخطباء والشعراء ، وما كان يألفهم من التوابع والزّوابع ، وقلت : هل حيلة في لقاء من اتّفق
هامش
[ 1 ] الحائر أو الحير : المكان المطمئن يجتمع فيه الماء ، ثم سموا البستان به . [ 2 ] ب س : على باب . [ 3 ] يعني أنه من قبيلة أشجع التي تنتمي إلى الجن مثلما أن صاحبه ابن شهيد من أشجع ( الإنس ) . [ 4 ] ط : تصورت لك رغبة . [ 5 ] ط : وتذاكرت معه أخبار .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 194 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس