لرأى أنّ تلك السياسة غير تسطير المقال ، في صفة غراميل البغال ، وغير الكلام في الجرذان ، وبنات وردان ، ولعلم أن بين العالم والكاتب فرقا .
وفي فصل له : ومن دليل تقصير عصابة المعلمين أنهم لا يقدمون أن يجعلوا [ 1 ] ما يحملون من المعرفة تصنيفا ، ولا تغزر مادّتهم أن ينشئوها تأليفا ، وإنما تفسو به أنفاسهم فسوا بين تلاميذهم ، ولا يقدر أن يزيد في النفخ فيضرط به ضراطا يسمع . هم في ذلك أمثال الجنادب ، وقرناء الخنافس ، لا توازن الظربان في قوة فسائه ، وإن زادت عليه في نتنه ، ولا يبلغون درجة الحمار الوحشيّ في شدّة ضراطه ، وإن شاركوه في اسمه ، ولا تروى لهم نادرة ، ولا تؤثر عنهم في البلاد شاردة .
قال : ومما علم من خلق هذه العصابة إذا لمحتنا أبصارهم قابلونا بالملق ، وهم منظورون على حسد وحنق . فإذا جمعتنا المحافل ، وضمّتنا المجالس ، تراهم إلينا مبصبصين ، وعن الأخذ في شيء من تلك المعاني زائغين . وإنما يتبين تقصير المقصّر ، وفضل السابق المبرّز ، إذا اصطكت الرّكب ، وازدحمت الحلق ، واستعجل المقال ، ولم توجد فسحة لفكرة ، ولا أمكنت نظرة لرويّة ؛ أو في مجالس الملوك عند أنسها وراحتها ، فإنه يقع فيها ، ويجري لديها ، ما لا ينفع [ 2 ] له الاستعداد ، ولا / ينفذ فيه غير الطّبع والغريزة المتدفّقة . فترى الجواد السابق إذ ذاك متشوفا بأذنه ، باحثا [ 3 ] لكديد الإحسان بيده ، طامح النّظر ، صهصلق الصّهيل ، وأهل الصنعة خرس ، لا يسمع لهم جرس ، ولا شيء عندهم غير حسو الكاس ، وشم الآس ، وتنفس الصّعداء ، قد اصفرّت ألوانهم ، وقلصت شفاههم ، كأنهم من رجال عذرة . وما أذكر أني فزت من هذا المجلس بخطير غير مرّة ، بين يدي هشام بن محمد ، والمجلس قد غصّ بالعمائم والطماطم [ 4 ] من أهل المصر لجواب بعض الرؤساء عن فصول خبيثة حادّة لا جواب فيها ولا عذر عنها . فجرى ما أكره ذكره من أجل أنّه متّصل بتعجيز أهل البيضة ، والغضّ من الأصحاب ، على أنهم جدراء بذلك ، لقلة إنصافهم لنا ، وتسلطهم علينا ، وإسرافهم في ثلبنا .
هامش
[ 1 ] ب : يحيلوا .
[ 2 ] ب س : يقع .
[ 3 ] ب س : باعثا .
[ 4 ] ط : قد غص بالطماطم ؛ س ب : بالجماجم .