جلسة عالم ، ولا أنفه أنف كاتب ، ولا نغمته نغمة شاعر . وحكوا أنه إذا مشى الخيزلى ، وتقدّم قليلا ثمّ رجع القهقرى ، والقصبة في يده ، والخرج على عاتقه ، أحذق الناس في إخراج لعبة اليهودي [ 1 ] ، فأقلقوه بما يسمع ، فكيف لو عضّته أنياب غير مفلولة ، وخدشته أظافر [ 2 ] غير مقلّمة ؟ .
/ وفي فصل له : ذكر يوما عند أبي القاسم سهل بن هارون والجاحظ ، فضرب فيهما مثل العامّة : بينهما ما بين الملائكة وصبيان الحرس . هذا من الانحاء العظيم على سهل . والأولى أن يسمّيا محسنين ، إلّا أنّ سهلا كاتب سلاطين ، والجاحظ مؤلّف دواوين . وقد يؤدي النظر إلى أنّهما في طريقتين مختلفتين ، وكلاهما محسن في بابه ؛ إلّا أنّه لم ير أغبن من الجاحظ لنفسه ؛ إن كان واحد البلاغة [ 3 ] في عصره ، فما باله لم يلتمس [ 4 ] بها شرف المنزلة بشرف الصّنعة ، وقد رأى ابن الزيّات وإبراهيم بن العبّاس بلغا بها ما بلغا ، وهو يلتمس فوائدهما والجاه بهما ؟ فلا يخلو في هذا إمّا أن يكون مقصّرا عن الكتابة وجمع أدواتها ، أو يكون ساقط الهمّة ، أو يكون إفراط جحوظ عينيه قعد به عنها ، كما قصّر بي أنا فيها ثقل سمعي ، وبأبي القاسم ورم أنفه . إذ لا بدّ للملك من كاتب مقبول الصورة تقع عليها عينه ، وأذن ذكيّة تسمع منه حسّه ، وأنف نقي لا تذمّ أنفاسه عند مقاربته له . ولذلك استحسنوا من الكاتب أن يكون طيّب الرائحة ، سليم آلات الحواسّ ، نقيّ الثّوب ، ولا يكون وسخ الضّرس ، منقلب الشفة ، مكحّل الأظفور ، وضر الطوق .
وربّما أنكر منكر قولنا في شرط جمع أدوات الكتابة فقال : وأيّ أداة نقصت الجاحظ ؟
فنقول : أوّل أدوات الكاتب العقل ، ولا يكون كاتب غير عاقل . وقد نجد عالما غير عاقل ، وجدليّا غير حصيف ، وفقيها غير حليم . وقد وجدنا من ينسب العقل إلى سهل [ 5 ] أكثر من نسبته [ 6 ] إلى الجاحظ . ولو شهد الجاحظ / سهلا يخادع للرّشيد ملكا ، ويدبّر [ 7 ] له حربا ، ويعاني له إطفاء جمرة فتنة ، مستضلعا في ذلك كلّه بعقله ، وجودة [ 8 ] علمه ،
هامش
[ 1 ] لعبة اليهودي : إحدى بابات خيال الظلّ ، وهذا يدلّ على معرفة الأندلسيين بهذا الفن .
[ 2 ] ط : أظافير .
[ 3 ] ط : كان واحدا في البلاغة .
[ 4 ] ط : يلبس .
[ 5 ] ط : لسهل .
[ 6 ] ب : مما ينسبه .
[ 7 ] ب س : ويدير .
[ 8 ] ب س : وتجربة .