فصول من رسالة سمّاها بالتوابع والزّوابع
وإن صدرت عنه مصدر هزل ، فتشتمل على بدائع روائع قال في صدرها [ 1 ] مخاطبا لأبي بكر ابن حزم [ 2 ] : للّه أبا بكر ظنّ / رميته فأصميت ، وحدس أملته فما أشويت ! أبديت بهما وجه الجليّة ، وكشفت عن غرّة الحقيقة ، حين لمحت [ 3 ] صاحبك الذي تكسبته ، ورأيته قد أخذ بأطراف السماء ، فألّف بين قمريها ، ونظم فرقديها ، فكلّما رأى ثغرا سدّه بسهاها ، أو لمح خرقا رمّه بزباناها ، إلى غير ذلك .
فقلت : كيف أوتي الحكم صبيّا ، وهزّ بجذع نخلة الكلام فاسّاقط [ 4 ] عليه رطبا جنيا ؟ أما إن به شيطانا [ 5 ] يهديه ، وشيصبانا يأتيه ، وأقسم أنّ له تابعة تنجده ، وزابعة تؤيّده ، ليس هذا في قدرة الإنس ، ولا هذا النّفس لهذه النّفس . فأما وقد قلتها أبا بكر فأصخ أسمعك العجب العجاب :
كنت أيام كتّاب الهجاء ، أحنّ إلى الأدباء ، وأصبو إلى تأليف الكلام ، فاتبعت الدّواوين ، وجلست إلى الأساتيذ ، فنبض لي عرق الفهم ، ودرّ لي شريان العلم ، بمواد روحانية ؛ وقليل الالتماح من النظر يزيدني [ 6 ] ، ويسير المطالعة من الكتب يفيدني ، إذ صادف شن العلم طبقه . ولم أكن كالثلج تقتبس منه نارا ، ولا كالحمار يحمل أسفارا .
[ فطعنت ثغرة [ 7 ] البيان دراكا ، وأعلقت رجل طيره أشراكا ، فانثالت لي العجائب ، وانهالت عليّ الرغائب ] . وكان لي أوائل صبوتي هوى اشتدّ به كلفي ، ثم لحقني بعد ملل في أثناء ذلك الميل . فاتفق أن مات من كنت أهواه مدّة [ 8 ] / ذلك الملل ، فجزعت
هامش
[ 1 ] ط : مصدرها .
[ 2 ] هو أبو بكر يحيى بن حزم شيخ من شيوخ الأدب ، قال الحميدي ( الجذوة : 351 ، والبغية رقم : 1466 ) وهو الذي خاطبه أبو عامر ابن شهيد برسالة التوابع والزوابع التي سماها « شجرة الفكاهة » وهو من بيت آخر غير بيت الفقيه أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم » . قلت : إن جهل هذه الحقيقة وهي عدم وجود آية صلة من قرابة بين أبي بكر ابن حزم والفقيه المشهور ، أوقع عددا من الدارسين في استنتاجات خاطئة حول رسالة التوابع والزوابع ( انظر مثلا : ابن شهيد لشارل بلا ص : 54 ، 95 ) .
[ 3 ] ط : لما رأيت .
[ 4 ] ب س : فتساقطت .
[ 5 ] ب س : أولى أن له سلطانا .
[ 6 ] ب س : يوقدني .
[ 7 ] ط : تغر .
[ 8 ] ب س : إثر .