الكتاب فاستعار صلفهم ورشاقتهم ، وباشر أهل الحساب فاستفاد طريقة البراهين [ 1 ] ، وناظر أهل الجدل [ 2 ] فتعلّم القوانين ، وعرف عناصر الكلام ؛ فكل علم يزعمه قبض [ 3 ] يده ، وكل جدّ وهزل فإليه منسوب ، وعنه مأخوذ ؛ وهو مع ما اجتمع له من ذلك كلّه ، وحبي به ، أشدهم صبابة [ 4 ] بألّا يكون بالأندلس محسن سواه ، ولا مجيد حاشاه . وكان الرّأي عندي له أن يسكن أرض جليقية أو قطرا بعد عن الإسلام ، حتى [ 5 ] لا يسمع فيه لخطيب ذكرا ، ولا يحسّ لشاعر ركزا ، فيكون هناك فردا .
ومن العجب أيضا في أمره أنّ كلّ كاتب كتب للسلاطين عندنا ، وكلّ شاعر مدحهم ، رويت أشعاره ورسائله غير أبي القاسم وحده . على أنه إنما جلس للتعليم على هذا المعنى . وربما عرّض بأن يؤخذ منه شيء من أشعاره ورسائله ولا يجيبه تلميذ ؛ والمحروم محروم ؛ ولو أنّه اشترى / الزّبيب لصبيان المساجد ، وقشور أصل الجوز لصبغ شفاه خراجيات [ 6 ] الخانات ، وروّى الطبقتين ما عنده ، لعرضتا رسومه وجعائله ، وروّيتا أشعاره ورسائله ، وغنّتا بها على قوارع الطرق ومناقع المياه ومطارح الزبول ، كما تغنّيان أشعارهما ، وتسعان [ 7 ] حماقتهما ، فيكون ذلك سببا إلى أن تدبّ وتدرج ، وتعتاد الطيران فتطير ، ويراها الناس فتعرف . وهو مع هذا كلّه [ 8 ] يسمينا الهمج الهامج ، ويسمّي البديع والصّابئ وشمس المعالي العضاريط . وهو أبخل أهل الأرض لا محالة . ولم يقصّر بنا عنده إلا توقيرنا لثغامته [ 9 ] . وهو يرى أنّ بعض صبياننا قد أقلقوه حين قالوا : ليست مشيته مشية أديب ، ولا وجهه وجه أريب ، ولا جلسته
هامش
[ 1 ] ط : البرهان .
[ 2 ] ط : الجدال .
[ 3 ] ط : قنص .
[ 4 ] ب س : ضنانة .
[ 5 ] ط : حيث .
[ 6 ] في النسخ : حراجيات ، والصواب : « خراجيات » بالخاء المعجمة ، وقد جاء في رسالة ابن عبدون في الحسبة :
50 « يجب أن ينهى نساء دور الخراج عن كشف رؤوسهن خارج الفندق » فسماهن « نساء دور الخراج » ؛ وقال ابن هشام في كتاب لحن العامة : « ويقولون لمن يسكن في الفنادق من النساء : خرجيرات ، والصواب « خراجيات » منسوبات إلى الخراج » ( انظر مجلة معهد المخطوطات 3 - 11 : 156 ) .
[ 7 ] لعل صوابه : « وتسمعان » .
[ 8 ] ومن العجب . . . هذا كله : سقط من ط ؛ وبدئت العبارة بقوله : « ومن الغرائب أنه يسمينا العلج ويسمي البديع » . . . الخ .
[ 9 ] ط : لشامته .