من النحو ، وحفظ كلمات من اللغة ، يحنون على [ 1 ] أكباد غليظة ؛ وقلوب كقلوب البعران ، ويرجعون إلى فطن [ 2 ] حمئة ، وأذهان صدئة ، لا منفذ لها في شعاع الرّقة ، ولا مدبّ لها في أنوار البيان . سقطت إليهم كتب في البديع والنقد فهموا منها ما يفهمه القرد اليماني من الرّقص على الإيقاع ، والزّمر على الألحان ، فهم يصرّفون غرائبها فيما يجري عندهم تصريف من لم يرزق آلة الفهم ، ومن لم تكن له آلة الصناعة ، مما هي مخصوصة بها ، لا تقوم تلك الصناعة إلا بتلك الآلة ؛ / فهو كالحمار لا يمكنه أن يتعلم صناعة ضرب العود والطنبور ، لتوتّد رسغه ، واستدارة حافره ، ولا له بنان يجس به على دستبان .
ولو جاز أن يكون حمار يغني :
ما بال أنجم هذا الليل حائرة * أضلّت القصد أم ليست على فلك [ 3 ]
وشبهه ، من أجل أنّ له حنكا ولسانا وقصبة رئة ، لما جاز أن يوقّع بالمضراب على الأوتار ، ويتمم بجس الأنامل ، ويرخي الوتر في مجرى السّبابة والبنصر ، فيبلبل بنشيده ، ويولول في ضربه على بسيطه .
فهذه حال العصابة من المعلّمين : يدركون بالطبيعة ، ويقصرون بالآلة [ 4 ] .
وتقصيرهم بالآلة هو من طريق العلل الدّاخلة من فساد الآلة القابلة للروحانية ، والخادمة لآلات الفهم ، الباعثة لرقيق الدّم في الشّريانات إلى القلب ، وزيادة غلظ أعصاب الدّماغ ونقصانها عن المقدار الطبيعي . يعين على ذلك بالحدس وطريق الفراسة فساد الآلة الظاهرة ، كفرطحة الرأس وتسفيطه [ 5 ] ، ونتوء القمحدوة ، والتواء الشّدق ، وخزر العين ، وغلظ الأنف ، وانزواء الأرنبة . فنستعيذ باللّه ألّا يشوه خلقة قلوبنا ، ولا يجسى أجرام أكبادنا ، ويضمّ أوتارنا وأعصابنا ، ولا يعظم أنوفنا ، ولا يجعلنا مثلة للعالمين .
/ وفي فصل له : وليس العجب في هذه العصابة إلّا من أبي القاسم [ 6 ] ، فإنّه زاد عليهم في الصناعة ، وبزّهم بوفور البضاعة . داخل الشعراء فأخذ لباقتهم ، وصار في جملة
هامش
[ 1 ] ب س : ينحتون من .
[ 2 ] ب س : أفكار .
[ 3 ] من أبيات في المختار من شعر بشار : 15 والشعر لمحمد بن قرلمان .
[ 4 ] ب س : بالألفة .
[ 5 ] ط : وتبسيطه .
[ 6 ] يعني ابن الإفليلي .