تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
العرب ، فتركّب له من الحسن بينهما ما تركّب . وفي فصل له : قال أبو عامر : وأهل صناعة الكلام متباينون في المنزلة ، متفاضلون في شرف المرتبة ، على مقدار إحسانهم وتصرّفهم . فمنهم الذي ينظم الأوصاف ، ويخترع المعاني ، ويحرز [ 1 ] جيد اللّفظ ، إلّا أنه يصعب عليه الكلام ، ويكدّ قريحته التأليف ، حتّى أنه ربّما قصّر في الوصف ، وأساء الوضع . فهذا في الأبيات القليلة [ 2 ] نافر ، وفي القريبة المأخذ سائر ، وفي طريقة الجمهور الأعظم ذاهب ، حتى إذا ازدحمت عليه ، وانحشدت إليه ، وطالبته ببهاء البهجة ، وشرف المنزلة ، وقف وانفلّ ، وتلاشى واضمحلّ . ومنهم الكارع في بحر الغزارة ، القادح بشعاع البراعة ، الذي يمر مرّ السّيل في اندفاعه ، والشؤبوب في انصبابه ، لا يشكو الفشل ، ولا يكل على طول العمل ، إذا ازدحمت في الكلام عليه المطالب ، وعلقت بحواشي فكره المآرب ، وحشرت عليه الصعاب والغرائب ، استقلّ بها كاهله ، واضطلع بثقلها غاربه ، وأعارها من نظره لمحة ، ومن فكره قدحة ، ثم رمى بها عن جانبيه ، قد رويت بمائها ، ولبست شعاع بهائها ، وبقي / كاللقوة في المرقب ، سام نظره ، قد ضمّ جناحيه ، ووقف على مخلبه ، لا تتاح له جارحة إلّا اقتصّها [ 3 ] ، ولا تنازله طائرة إلّا اختطفها ، جرأته كشفرته ، وبديهته كفكرته ، فذلك الألسن يوم حرب الكلام ، لا تخطئ ضربته ، ولا تصاب غرّته . ومنهم من يتجافى الكلام ، ويروغ عن المقال ، فإذا مني به ، أخذ بأطراف المحاسن ، وشارك في أنحاء من الصنعة ، وجلّ ما عنده تلفيق وحيلة ، وبذلك يصاحب الأيّام ، ويجاري أبناء الزّمان ، ما كان له عقل يغطي على نقصانه ، وسياسة يسوس بها فحول زمانه . ومن خرج عن هذه الطبقات الثلاث لم يستحق اسم البيان ، ولا يدخل في أهل صناعة الكلام . وفي فصل له : قال أبو عامر : وقوم من المعلمين بقرطبتنا [ 4 ] ممّن أتى على أجزاء
هامش
[ 1 ] ط : ويحرر . [ 2 ] س ب : القلائل الأعداد . [ 3 ] ب س : اهتضمها . [ 4 ] ب س : عندنا .
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة — صفحة 188 | ابن بسام / إحسان عباس / إحسان عباس